ما جدوى الحكم بالإعدام إذا لم يطبق!؟

بقلم – عصام الطالبي-
أثار حكم الإعدام الذي أصدرته غرفة الجنايات الإبتدائية بمحكمة الإستئناف بطنحة يوم الثلاثاء 13 يناير الجاري، في حق قاتل الطفل عدنان بوشوف، من جديد النقاش الدائر حول عدم تنفيذ أحكام الإعدام في المملكة المغربية والمعلقة منذ 27 سنة دون تقديم أسباب منطقية لذلك.
وتعالت أصوات المغاربة بقوة في العقد الأخير، مطالبة بتنفيذ عقوبة الإعدام في حق مرتكبي الجرائم البشعة في المغرب، بدل من إيوائهم في المؤسسات السجنية والسهر على أمنهم وتغديتهم وتطبيبهم، مما يكلف خزينة الدولة مصاريف مالية مهمة.
ومعلوم، أنه منذ سنة 1982 تم تعليق تطبيق عقوبة الإعدام في المغرب، ولم يتم تنفيذه إلا بعد مرور 11 سنة، أي عام 1993، وبالضبط في قضية الكوميسير المشهور آنذاك “الحاج ثابت”، حيث أعطى الملك الراحل الحسن الثاني أمره بتنفيذ الحكم نظرا لما اقترفه من جرائم غير مسبوقة في حق النساء مستغلا سلطته ومنصبه الأمني.
ويوصي المجلس الوطني لحقوق الإنسان “أشد المدافعين عن الغاء عقوبة الإعدام في المغرب”، بإلغاء هذه العقوبة من القانون ومن الممارسة، والمصادقة على البرتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، مع التصويت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بوقف العمل بعقوبة الإعدام، فيما ترى الفئة الأخرى المعارضة لإلغاء عقوبة الإعدام والمطالبة بتنفيذه وهي الأغلبية الساحقة، بأن الإعدام هو حكم إلهي أقرته كل الشرائع السماوية، وفيه انتصار للحياة وحماية حقوق الأفراد والجماعات، “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” (قرآن كريم).
ويبرر دعاة القصاص مطلبهم بضرورة تنفيذ أحكام الإعدام، لردع الوحوش البشرية التي تعيش بيننا، وكذا للحد من الجرائم المرتكبة في حق المجتمع المغربي كجرائم الإرهاب والقتل.
لن نكون أرحم على البشر من ربّ البشر الذي شرّع القصاص (الإعدام) من فوق سبع سماوات، لضمان الحياة والإستقرار النفسي لكل الأفراد، ولا أجد خير مِن حُكم خالق هذا الكون على بني البشر، عندما تعامل مع القاتل عمدا بالقتل، تحقيقا لمبدأ العدالة والحق في الحياة.
أستغرب ممن يطالب بالإبقاء على حياة وحوش آدمية تعيش بين ظُهرانينا، تفترس كل ما تجده أمامها ولا تفرق بين الطفل والشيخ والمرأة الحامل..، وأكاد أجزم أن هؤلاء الحقوقيين المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام في المغرب، من عشاق قاعدة “خالف تُعرف” لا أقل ولا أكثر، ولن يكون الساهرين على العدالة في بلادنا أكثر ديمقراطية وعدلا من الولايات المتحدة الأمريكية التي ما تزال تطبق عقوبة الإعدام في عدة ولايات، إذن المسألة ليست مرتبطة بالحداثة أو الوعي أو النضج الثقافي أو رقي الفكر.
إن الحق في الحياة والذي يعد أحد أسمى حقوق الإنسان في الكون، وهو حق يتقاسمه القاتل والقتيل، المجرم والضحية، ولا يقبل المنطق ولا العقل أن يتم منح هذا الحق لشخص وسلبه من الأخر، تحت يافطة حقوق الإنسان، تلك الأسطوانة التي ضجرنا من سماعها.
ان كانت الدولة المغربية قد عجزت عن إيجاد معادلة توافقية بين حماية الحق في الحياة والحفاظ على النظام العام، فهذا لا يفسر بأن هذا انتصار للمناهضين بإلغاء عقوبة الإعدام، والدليل على ذلك هو رفض المغرب التوقيع على توصية أممية بمجلس حقوق الإنسان بجنيف تفيد بإلغاء هذه العقوبة، إلا أن الغالبية من المغاربة لا تخفي قلقها من الضغوط الدولية على بلادنا لوقف الإعدام وعدم تنفيذه.
مثقفون ورجال القانون يرون أن المشرع المغربي أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا الإلغاء الصريح لتنفيذ العقوبة في القانون المغربي، أو تنفيذ أحكام الاعدام الصادرة من طرف المحاكم المغربية، حتى لا يفقد القانون روحه وشخصيته.
إن استمرار هذا التناقض الحاصل بين التشريع والتطبيق لا يستقيم، فالقضاة ملزمون بتطبيق هذه النصوص في الجرائم الخطيرة والبشعة في ظل وجودها في القانون الجنائي، ومن باب إنصاف المنطق والعقل، نطرح السؤال التالي: ما جدوى الحكم بعقوبة الإعدام اذا لم تطبق هذه العقوبة!؟
وختاما، نذكر أن عقوبة الإعدام لم تنفذ فعليا في المغرب منذ 1982، مع استثناء واحد في سنة 1993، إلا أنه مع ذلك، لا يزال القضاة يصدرون أحكاما بالإعدام، حيث أصدرت المحاكم المغربية في السنتين الأخيرتين، عدة أحكام بالإعدام، حيث يبلغ عدد المحكوم عليهم بالإعدام حاليا ما يقرب 80 شخص، بينهم نساء، وفقا لمعطيات سابقة من المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق