شرط “شهادة المخدرات” للتوظيف يفجر غضبا وسخرية في الجزائر

أثار مرسوم تنفيذي نشر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية الجزائرية، يقضي بإلزام المترشحين للتوظيف في القطاعين العام والخاص بالإدلاء بتحاليل طبية تثبت خلوهم من استهلاك المخدرات، جدلًا واسعا في الأوساط الشعبية والإعلامية، بين من اعتبره إجراءً مهينا يمس كرامة الشباب، ومن رآه خطوة سياسية تحمل أبعادا تتجاوز بعدها الصحي المعلن.
ورغم تبرير السلطات هذا القرار بكونه يهدف إلى حماية بيئة العمل وضمان سلامتها، فإن شريحة واسعة من الجزائريين ترى فيه تشديدًا إضافيًا على شباب يعاني أصلًا من قلة فرص الشغل، معتبرة أن المقاربة المعتمدة تكرّس الوصم الاجتماعي بدل معالجة الإدمان كقضية صحية واجتماعية تتطلب الدعم والعلاج.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تباينت ردود الفعل بين السخرية والغضب، حيث اعتبر كثيرون أن فرض شروط صارمة في سوق عمل يعاني من الجمود يفتقد للمنطق، مشيرين إلى أن الأولوية يجب أن تكون لتوفير فرص الشغل قبل فرض “فلاتر مخبرية” قد تقصي آلاف الباحثين عن العمل.
وتصاعدت الانتقادات مع تحذيرات من أن هذا الإجراء قد يرفع معدلات البطالة بدل خفضها، فيما ذهب آخرون إلى التشكيك في فعاليته، معتبرين أن التحايل عليه ممكن عبر الامتناع المؤقت عن التعاطي، أو من خلال ممارسات فساد قد تحوّل الشهادات الطبية إلى وثائق شكلية لا تعكس الواقع.
كما عبّر عدد من المواطنين عن تخوفهم من أن يفتح القرار الباب أمام الرشوة داخل بعض المختبرات، مؤكدين أن المستفيد الأكبر من هذا الإجراء قد يكون أصحاب مراكز التحاليل، في ظل غياب آليات صارمة للرقابة.
اللافت في النقاش العام هو انتقال سهام النقد من القرار ذاته إلى الجهات التي صاغته، إذ طالب كثيرون بتعميم الفحوصات الطبية على المسؤولين والمنتخبين قبل الشباب، معتبرين أن القدوة يجب أن تبدأ من أعلى هرم السلطة، بل تساءل بعضهم عن السلامة العقلية لصنّاع القرار أنفسهم.
ويرى منتقدو المرسوم أن تطبيقه قد يؤدي إلى تكريس ما وصفوه بـ”عدالة انتقائية”، تُمكّن أبناء النافذين من تجاوز الشروط، مقابل إقصاء أبناء الطبقات الهشة، مما يعمّق الإحساس بالحيف الاجتماعي.
وفي هذا السياق، حذّر عدد من المتابعين من أن محاربة الإدمان لا يمكن أن تتم عبر حرمان المدمن من حقه في العمل، بل عبر سياسات إدماجية تقوم على العلاج والمواكبة، معتبرين أن الإقصاء قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تفاقم الفقر والجريمة والانحراف.
سياسيًا، يرى مراقبون أن توقيت صدور هذا المرسوم لا يخلو من دلالات، خاصة في ظل التزامات حكومية سابقة بتوفير مئات الآلاف من مناصب الشغل في أفق زمني قريب. ويذهب هؤلاء إلى أن شرط التحاليل السلبية قد يشكل مخرجًا قانونيًا لتبرير العجز عن الوفاء بتلك الوعود، عبر تحميل المسؤولية للشباب بدل السياسات الاقتصادية.
وبين من يعتبر القرار إجراءً وقائيًا، ومن يراه أداة إقصاء اجتماعي، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا المرسوم سيُسهم فعلًا في الحد من ظاهرة الإدمان، أم أنه سيوسّع دائرة التهميش ويدفع بمزيد من الشباب نحو الهشاشة التي يُفترض أن الدولة تسعى لمحاصرتها.



