حافلات الجزائر… نقل عمومي بنكهة الماضي

أُعلن رسميًا عن استئناف حركة النقل العمومي بالجزائر وعودتها إلى وضعها الطبيعي عبر مختلف الخطوط وعلى امتداد تراب الولاية، وهو خبر كان من المفترض أن يبعث على الارتياح لدى المواطنين. غير أن الواقع الميداني سرعان ما خيّب هذه الآمال، بعدما كشفت عودة الحافلات إلى الشوارع عن أسطول مهترئ ومتآكل، لا يعكس بأي شكل من الأشكال تطور العصر ولا متطلبات النقل الحديث.

الصور المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي كانت أبلغ من أي توضيح رسمي، إذ أظهرت حافلات تعاني من الصدأ، مقاعد ممزقة، نوافذ مكسورة، أبواب شبه معطلة، ومحركات بالكاد تشتغل، في مشهد يوحي بأن الأمر لا يتعلق بعودة خدمة بقدر ما هو عودة أزمة قديمة بواجهة جديدة.

ويزداد هذا الواقع مفارقة حين يُقارن بإمكانات البلاد، باعتبار الجزائر من بين كبار منتجي النفط والغاز، في وقت نجحت فيه دول أقل موارد في تحديث أساطيل النقل العمومي، واعتماد حافلات عصرية وصديقة للبيئة، مجهزة بالتكييف، وخدمات الاتصال، وأنظمة الدفع الذكية، بما يضمن الحد الأدنى من راحة وكرامة الركاب. في المقابل، لا يزال النقل العمومي في الجزائر يعاني من أعطاب متكررة وتأخر مزمن، وسط ظروف لا تواكب تطلعات المواطنين.

ويفقد الحديث عن “عودة الخدمة” معناه عندما تكون هذه الخدمة نفسها مرهقة، وغير آمنة، وتشكل عبئًا يوميًا على المستخدمين، فضلًا عن مخاطرها المحتملة على السلامة، وكلفتها البيئية المرتفعة نتيجة الاعتماد على محركات قديمة ملوِّثة ومستهلكة للوقود.

الأكثر إثارة للقلق أن هذا الوضع لم يعد ظرفيًا أو استثنائيًا، بل تحوّل إلى واقع مألوف، حيث يُعاد تدوير أسطول قديم بدل تجديده، وتُرقَّع الحلول عوض معالجة جذور المشكلة، في دورة تتكرر مع كل أزمة دون أفق إصلاحي واضح.

وفي زمن تتجه فيه المدن نحو النقل الذكي والمستدام، ما يزال النقل العمومي محكومًا بمنطق “المتاح يكفي”، حتى وإن كان هذا المتاح خارج الزمن والمعايير. فالإشكال لا يقتصر على وضعية الحافلات، بل يتجاوزها إلى غياب رؤية واضحة تعتبر النقل العمومي خدمة عمومية أساسية لا مجرد وسيلة لسد الخصاص، وتطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى انسجام هذا الواقع مع إمكانات البلاد وتطلعات مواطنيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى