لوبي الأدوية في المغرب.. قوة مالية تتجاوز قوة الحكومة وسلطتها

متابعة | ياسر الصيباري

يتصاعد الجدل في المغرب حول النفوذ المتنامي للوبيات الادوية، التي تحولت خلال السنوات الاخيرة الى قوة مالية وتنظيمية تفوق قدرة الحكومة على ضبطها، وسط اتهامات بغياب الشفافية وارتفاع غير مبرر للاسعار، فضلا عن تضارب مصالح يثير الشبهات حول صفقات بملايين الدراهم، هذا الملف الذي ظل طي الصمت طويلا عاد الى الواجهة بعد مداخلات برلمانيين، أبرزهم الببجيدي “عبد الله بوانو”، الذي قدم معطيات اعتبرها كاشفة لاختلالات غير مسبوقة في سوق الدواء بالمملكة.

تشير تقديرات هيئات حقوقية وصحية الى أن بعض الأدوية تباع في المغرب بثلاثة الى خمسة أضعاف ثمنها الحقيقي في دول المنشأ وهو ما أشار إليه الوزير المنتدب المكلف بالمالية “فوزي لقجع” في تصريح سابق في محلس النواب، في ظل هامش ربح مرتفع يربك القدرة الشرائية للمغاربة، خصوصا المرضى الذين يعتمدون على اقتناء الدواء بشكل مباشر دون تغطية صحية، وتفيد معطيات متطابقة بان ما يقارب خمسة عشر مختبرا فقط تستحوذ على أغلبية السوق الوطنية، ما يجعل المنافسة ضعيفة ويعزز موقع هذه الشركات في التأثير على القرار الصحي، سواء في ما يتعلق بتحديد الاسعار او مساطر الاستيراد والتوزيع.

ويرى عدد من الفاعلين المدنيين ان ضعف السياسة الدوائية المغربية، وغياب رؤية واضحة لتشجيع الدواء الجنيس، وترك المجال مفتوحا امام الاستيراد بشروط غير صارمة، كلها عوامل جعلت من قطاع الادوية بؤرة لاختلالات هيكلية تتقاطع فيها المصالح التجارية مع نفوذ سياسي واقتصادي يصعب اختراقه، وتذهب هذه الهيئات الى حد وصف السوق المغربية بانها واحدة من اكثر الاسواق اغراقا بالاسعار المرتفعة في المنطقة، رغم ان اغلب الادوية المستوردة تصل المملكة بثمن منخفض جدا قبل ان تباع للمواطن باثمان ضخمة.

وفي واحدة من أقوى المداخلات داخل المؤسسة التشريعية، اتهم البرلماني عبد الله بوانو جهات داخل الحكومة بتسهيل صفقات غير شفافة لفائدة شركات محددة، مشيرا الى وجود تضارب مصالح واضح في عمليات استيراد ادوية اساسية تم منح تراخيصها في ظروف ملتبسة، وكشف بوانو عن معطيات تخص استيراد دواء حساس جرى الترخيص له بسرعة ثم سحبه لاحقا بسبب مشاكل تقنية، محذرا مما وصفه بتلاعبات محتملة في منح الرخص ومنح الافضلية لشركات مرتبطة بمسؤولين نافذين.

وتأتي هذه التصريحات في سياق اوسع من الانتقادات البرلمانية المتكررة التي تشير الى ان قطاع الادوية تحول الى مساحة مغلقة تتداخل فيها علاقات المال والسياسة، في ظل غياب اليات رقابة فعالة قادرة على تفكيك هذه الشبكة المعقدة، كما ان ردود الحكومة لم تنجح في تهدئة الجدل، خاصة بعد نفيها وجود اي امتيازات خاصة، مقابل مطالب متزايدة بفتح تحقيق برلماني شامل حول مساطر الاستيراد وتحديد الاسعار وهوامش الربح.

في مقابل ذلك، يطالب فاعلون في القطاع الصحي بضرورة مراجعة شاملة للقوانين المنظمة لسوق الدواء بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمواطن، وفتح الباب أمام صناعة دوائية وطنية قوية قادرة على خلق منافسة حقيقية تخفض الاسعار وتمنح للمغرب سيادة دوائية فعلية، كما يدعو هؤلاء الى نشر بيانات تفصيلية حول هوامش الربح، ومساطر الترخيص، ومصدر الادوية المستوردة، لتصحيح الوضع واعادة الثقة في القطاع.

ومع استمرار ارتفاع أسعار الأدوية وتزايد أرباح الشركات بشكل يوصف بانه غير اخلاقي، يتساءل الرأي العام عن الجهة التي تحمي هذه اللوبيات، وكيف يمكن للدولة مواجهة هذا النفوذ المتغلغل داخل منظومة صحية تحتاج الى اصلاح جذري.

ويبقى السؤال الأكبر مطروحا دون جواب واضح: من يملك الإرادة السياسية والقدرة القانونية لتحرير سوق الدواء من هيمنة مصالح أصبحت أقوى من الحكومة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى