سقوط مادورو يكشف حرج الجزائر… وصمت تبون يطرح علامات استفهام

أثار توقيف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو حالة من الارتباك غير المسبوق داخل أوساط النظام الجزائري، الذي كان يعد من أكثر حلفائه قربا ووفاء. فقد ارتبط اسم مادورو بالجزائر بوصفها وجهته الدبلوماسية الأكثر تكرارا، سواء عبر زيارات رسمية أو توقفات تقنية، حيث كان يحظى دائما باستقبال حافل ومراسم خاصة.

ورغم مرور أكثر من 24 ساعة على سقوط حليفهم اللاتيني، لم يصدر أي موقف رسمي عن القيادة الجزائرية، لا بشكل عاجل ولا متأخر، في صمت وصف بأنه يعكس حالة شلل سياسي ناجمة عن النهاية المفاجئة لشريك طالما عكست تجربته صورة النظام الجزائري نفسه.

وجاء اعتقال مادورو، يوم السبت 3 يناير، من داخل القصر الرئاسي في كاراكاس على يد وحدات خاصة من الجيش الأمريكي، قبل نقله في اليوم ذاته إلى مركز احتجاز في بروكلين بنيويورك، ليفجر موجة واسعة من ردود الفعل الدولية.

وبين مؤيد للتدخل الأمريكي، ومعارض له، وآخرين اختاروا الحياد الدبلوماسي، اتجهت الأنظار بشكل لافت نحو الجزائر، التي التزمت صمتا مطبقا.

وبرز هذا الصمت بشكل خاص لدى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلافا لمواقف شركاء مادورو السابقين، رغم أن الأخير لم يكن مجرد حليف داخل منظمة «أوبك»، بل كان أكثر رؤساء الدول زيارة للعاصمة الجزائرية، التي اتخذها محطة أساسية في تنقلاته نحو آسيا، ونقطة عبور شبه حصرية في إفريقيا والعالم العربي.

وخلال فترة حكمه الممتدة لنحو 12 عاما (2013–2026)، حرص مادورو على توطيد علاقته الشخصية بتبون، حيث كان من أوائل المهنئين له في مناسبات رسمية متكررة خلال شهري يوليوز ونونبر من كل عام. كما زار الجزائر أكثر من اثنتي عشرة مرة بين عامي 2017 و2024.

ومع وصول تبون إلى الحكم، تضاعف حضور مادورو بالجزائر. ففي دجنبر 2021، تلقى دعوة رسمية خلال توقف تقني، تُوجت بزيارة دولة في يوليوز 2022 أسفرت عن توقيع اتفاقيات اقتصادية، وإعلان مشروع فتح خط جوي مباشر بين الجزائر وكاراكاس. وتوالت بعدها توقفاته، سواء في يوليوز 2023 أثناء عودته من الصين، أو في غشت 2024 حين تحولت محطة تقنية إلى زيارة رسمية جديدة.

وقد جعل مادورو من الجزائر محطة شبه دائمة في تحركاته نحو روسيا وإيران والصين، مستفيدًا من تقاربه مع نظام تبون، في وقت كانت أبواب عديدة موصدة أمامه دوليًا.

وعلى مستوى أعمق، بدا النظامان الجزائري والفنزويلي، حتى لحظة سقوط مادورو، كأنهما صورتان متطابقتان: سلطتان مغلقتان تحتكران الحكم، وتعتمدان على القمع وتفشي الفساد، مع سوء تدبير عائدات النفط والغاز، في ظل خطاب ثوري يستند إلى شرعيات تاريخية لا يمت لهما بصلة فعلية.

ويبدو أن انهيار نظام مادورو، وهو ليس الأول في أمريكا اللاتينية، أثار مخاوف حقيقية داخل الجزائر، التي ترى في مصير حلفائها السابقين في سوريا وإيران ولبنان وفنزويلا مؤشرات مقلقة على مستقبلها.

فالنظام الفنزويلي كان يقدم نفسه قوة عسكرية رادعة، غير أن سرعة انهيار دفاعاته كشفت هشاشة هذه الصورة. فقد تمكنت القوات الأمريكية من تنفيذ عملية دقيقة في قلب كاراكاس، واعتقال رئيس يعلم أنه مهدد، دون خسائر تُذكر.

وهو درس قاس ينعكس بقلق على أنظمة عسكرية أخرى، من بينها الجزائر، التي قد تكتشف بدورها هشاشة قوتها عند أول اختبار فعلي.

ويعكس الصمت الجزائري تجاه التدخل الأمريكي في فنزويلا حجم الارتباك الذي يعيشه النظام. فلا بيان لوزارة الخارجية، ولا موقف رسمي، ولا حتى تعبير لفظي عن التضامن مع أحد أقرب الحلفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى