فيضانات اللوكوس تحاصر القصر الكبير وتعبئة واسعة لإنقاذ السكان

تعيش مدينة القصر الكبير، لليوم الثالث على التوالي، على وقع وضع استثنائي جراء فيضانات غير مسبوقة، ناجمة عن الارتفاع الكبير في منسوب وادي اللوكوس وبلوغ سد وادي المخازن طاقته القصوى، ما أدى إلى غمر عشرات الأحياء السكنية، وتشريد مئات الأسر، وإغراق ما يقارب نصف المجال الحضري للمدينة، في ظل حالة استنفار قصوى وتعبئة شاملة لمختلف المتدخلين.

وأمام منازل غمرتها المياه وشوارع تحولت إلى مجارٍ مائية، وجدت الساكنة نفسها في مواجهة مباشرة مع كارثة طبيعية قاسية، فرضت عمليات إجلاء واسعة ونزوحاً جماعياً، كما تسببت في خروج المستشفى المركزي عن الخدمة. وتزامنت هذه التطورات مع اتخاذ قرارات استعجالية على أعلى مستوى، من بينها عقد اجتماع حكومي عاجل، وتنفيذ تعليمات ملكية تقضي بنصب خيام تابعة للقوات المسلحة الملكية لإيواء المتضررين.

وفي هذا الإطار، أعلن رئيس جماعة القصر الكبير أن الملك محمد السادس أعطى تعليماته للشروع في نصب خيام الجيش ابتداءً من يوم الجمعة، من أجل إيواء المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الفيضانات، مؤكداً أن هذا الإجراء يندرج ضمن الاستجابة السريعة لحاجيات الأسر المتضررة، في انتظار تحسن الأوضاع وعودة الحياة إلى طبيعتها. كما وجه نداءً عاجلاً إلى سكان الأحياء المغمورة أو المهددة بالغرق بضرورة الإخلاء الفوري حفاظاً على سلامتهم، مع إمكانية التوجه إلى دور الشباب ودار الثقافة والمؤسسات التعليمية المتواجدة بالمناطق المرتفعة بالنسبة لمن لا يتوفرون على بدائل للإيواء.

وبحسب المعطيات المتوفرة، أوصت خلية الأزمة بإخلاء عدد من الأحياء بشكل استعجالي، بعد تسجيل ارتفاع مقلق في منسوب المياه، مرفقة ذلك بنداءات مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحث الساكنة على مغادرة منازلها وعدم الاكتفاء باللجوء إلى الطوابق العليا، تفادياً لمحاصرة الأسر في حال استمرار تدفق المياه.

وأظهرت المعاينات الميدانية أن رقعة الأحياء المتضررة تمتد على مسافة تقارب خمسة كيلومترات، من مدخل المدينة في اتجاه العرائش إلى وسطها، مع تسجيل غمر حوالي نصف الأحياء بدرجات متفاوتة. كما لوحظ استمرار ارتفاع منسوب المياه بعدد من المناطق، رغم توقف التساقطات، بفعل التدفق القوي لوادي اللوكوس الذي بلغ مستويات غير معهودة.

واضطرت السلطات إلى قطع التيار الكهربائي عن الإنارة العمومية في عدد من الأحياء المغمورة تفادياً للمخاطر، في وقت تضررت فيه عشرات السيارات، ولا تزال عمليات سحبها متواصلة.

وتتواصل عمليات الإنقاذ والإجلاء بمشاركة عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية والأمن والقوات المساعدة والإنعاش الوطني والهلال الأحمر، إلى جانب جمعيات المجتمع المدني ومتطوعين، حيث جرى الاستعانة بالقوارب المطاطية، إضافة إلى الجرارات الفلاحية والشاحنات والعربات المجرورة بالأحصنة، بسبب غمر عدد كبير من الشوارع والمسالك. غير أن هذه العمليات تواجه صعوبات إضافية نتيجة رفض بعض الأسر مغادرة منازلها رغم خطورة الوضع.

وعلى المستوى الصحي، لم تُسجل أية وفيات أو إصابات مرتبطة بالفيضانات، غير أن الوضع فرض إخلاء المستشفى المركزي بالكامل بسبب غمره بالمياه، إلى جانب إخلاء مصحة خاصة مجاورة. وقد تمت عملية الإخلاء بشكل منظم، حيث جرى توزيع المرضى على عدد من المراكز الصحية داخل المدينة، مع ضمان استمرار التكفل بالحالات المستعجلة وحالات الولادة في ظروف وُصفت بالجيدة.

وفي تفاعل رسمي مع تطورات الوضع، أعلنت الحكومة عن عقد اجتماع عاجل برئاسة وزير الداخلية، وبمشاركة مختلف القطاعات المعنية، لمتابعة تداعيات الفيضانات واتخاذ التدابير اللازمة، مع التأكيد على مواكبة الوضع ميدانياً وتعبئة جميع الإمكانيات المتاحة لضمان سلامة المواطنين والتدخل الفوري عند الضرورة.

وتعود أسباب هذه الأزمة إلى التساقطات المطرية الاستثنائية التي عرفها حوض اللوكوس خلال الأسابيع الماضية، والتي تجاوز معدلها التراكمي 600 مليمتر منذ شهر شتنبر، ما أدى إلى امتلاء سد وادي المخازن بالكامل. ورغم تفعيل حالة التأهب القصوى واتخاذ إجراءات وقائية مسبقة، من قبيل إقامة حواجز رملية وبرمجة طلقات مائية وتنقية قنوات الصرف، فإن حجم الواردات المائية فاق قدرة هذه التدابير، لتتحول حالة الحذر إلى أزمة حقيقية فرضت إجلاء أحياء بأكملها.

ورغم قساوة المشهد، برزت مظاهر قوية للتضامن بين الساكنة، حيث فتحت أسر منازلها لاستقبال المتضررين، وساهم متطوعون في تقديم مساعدات غذائية ولوجستية، في وقت تواصل فيه السلطات تعبئة مواردها في انتظار وصول خيام الجيش وتعزيز الدعم، لتأمين ظروف إيواء لائقة للنازحين، وسط ترقب لتحسن الأوضاع خلال الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى