تعبئة قنصلية شاملة بإسبانيا لتسوية أوضاع المهاجرين المغاربة

أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عن إطلاق حزمة من الإجراءات الاستعجالية والتدابير الاستثنائية بعدد من القنصليات العامة للمملكة بإسبانيا، بهدف تذليل الصعوبات الإدارية التي يواجهها المغاربة في وضعية غير نظامية، تزامنا مع الإصلاحات العميقة التي اعتمدتها حكومة مدريد في قانون الهجرة.

وجاءت هذه التعبئة القنصلية استجابة لتساؤلات وتنبيهات برلمانية رصدت معاناة أفراد الجالية في الحصول على وثائق أساسية، خاصة شهادة السجل العدلي وتجديد جوازات السفر، في ظل ضغط المواعيد الإلكترونية وانتشار ظاهرة “سماسرة المواعيد” الذين فرضوا مبالغ تراوحت بين 30 و100 أورو مقابل حجز المواعيد.

وفي خطوة لتجاوز تعقيدات التوكيل والمصادقة، شرعت القنصليات المغربية، ابتداء من 11 فبراير 2026، في تمكين المواطنين من الحصول على بطاقة السوابق القضائية مرفقة بختم “الأبوستيل” مباشرة من المصالح القنصلية، ما ينهي الحاجة إلى التنقل إلى المغرب ويسرّع إيداع ملفات تسوية الإقامة.

ويرى متتبعون أن هذا التحرك جاء في توقيت مناسب لتخفيف الضغط المتزايد، خاصة مع تجنيد 12 قنصلية لتغطية مختلف مناطق التراب الإسباني والاستجابة للطلب المتصاعد على وثيقة “حسن السيرة” من طرف الراغبين في تسوية أوضاعهم القانونية.

كما نظمت القنصليات العامة في مدريد وفالنسيا أيام “أبواب مفتوحة” خلال عطلة نهاية الأسبوع لاستقبال مئات المرتفقين الذين تحول التزاماتهم المهنية دون الحضور خلال أيام العمل.

وتم، عقب اجتماع تنسيقي مع سفارة المملكة بمدريد، تمديد ساعات العمل إلى غاية السادسة مساء بدل الثالثة، مع اعتماد نظام مداومة أيام السبت والأحد والعطل الرسمية لضمان استفادة جميع أصحاب المواعيد من الخدمات القنصلية.

تتزامن هذه الإجراءات مع تبني السلطات الإسبانية مقاربة جديدة لتسريع مسارات الحصول على تصاريح الإقامة لأسباب استثنائية. ومن أبرز المستجدات تقليص مدة الإقامة المطلوبة لإثبات ما يعرف بـ”التجذر” من ثلاث سنوات إلى خمسة أشهر فقط، شريطة التواجد فوق التراب الإسباني قبل 31 دجنبر 2025.

ويُثبت هذا الشرط عبر وثائق مرنة، من بينها التسجيل في سجل السكان، أو وثائق طبية، أو شهادات الاستفادة من خدمات اجتماعية، أو عقود الإيجار، أو إيصالات تحويل الأموال، أو تذاكر النقل. وبمجرد تقديم الطلب، يتم تعليق إجراءات الترحيل، ويمنح المعني بالأمر إقامة مؤقتة تخول له العمل بشكل قانوني، في إطار مسعى لسد الخصاص في قطاعات حيوية مثل الفلاحة والبناء.

وتشير تقديرات إلى أن المغاربة سيكونون في مقدمة المستفيدين من هذا الإصلاح، بالنظر إلى ثقلهم العددي وحضورهم الوازن في قطاعات تعتمد بشكل كبير على اليد العاملة، خصوصا في مناطق مورسيا وألميريا وكتالونيا.

وتفيد أحدث المعطيات بأن عدد المولودين في المغرب والمقيمين بإسبانيا بلغ 1,165,955 شخصا، فيما يحمل 968,999 شخصا الجنسية المغربية، أي ما يمثل حوالي 12.37 في المائة من مجموع الأجانب المقيمين هناك.

ومن شأن هذه التسوية أن تفتح أمام المستفيدين آفاقا أوسع للاستقرار، عبر الولوج إلى منظومة الضمان الاجتماعي وتحسين شروط العمل والأجور، فضلا عن ضمان التنقل القانوني والحماية من شبكات الاستغلال.

في المقابل، يأتي القرار الإسباني في سياق سياسي يتسم بتجاذبات حادة، إذ يعتبره متابعون خطوة ذات أبعاد قانونية وأمنية لمعالجة إشكالية المقيمين غير النظاميين والاستجابة لحاجيات سوق الشغل. غير أن هذه الخطوة أثارت نقاشا واسعا داخل الساحة السياسية الإسبانية، خاصة في ظل انتقادات اليمين المتطرف لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز، مع توقعات باحتدام المنافسة السياسية في أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2027.

ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تمثل فرصة حاسمة أمام المهاجرين لتسوية أوضاعهم، غير أن التحدي يظل في ضرورة الحصول على عقد عمل خلال السنة الأولى، إذ إن عدم استيفاء هذا الشرط قد يعيد البعض إلى وضعية غير نظامية، خصوصا إذا ما شهدت المرحلة المقبلة تشددا في السياسات الهجرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى