تصميم التهيئة وثيقة تشاركية نحو عقد اجتماعي و مجال تنموي جديد

بقلم | الدكتور عصام الغاشي : باحث في مجال العقار، نائب عمدة طنجة

شهد قطاع التعمير ببلادنا قفزة نوعية بالنظر الى حجم الاهتمام التشريعي الذي حظي به في العشرية الاخيرة حيث أصبح قطاعا منتجا وفاعلا في التنمية الوطنية. وقداضحت سياسات التعمير اليوم من بين الاسس التي يقوم عليها الفعل التنموي عبر توفير سياسة تعميرية متوازنة وبنية تحتية متطورة مع خلق مناطق صناعية قادرة على استقطاب رؤوس الاموال وتنمية وتشجيع المشاريع الاستثمارية.

فوظيفة التعمير اليوم لم تعد تقتصر على توفير السكن فقط، بل توفير كل ما يحتاجه الفرد داخل محيطه من مرافق وتجهيزات اساسية بما يسهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والقضاء على الاختلالات البنيوية.

فهذا القطاع اضحى اليوم قطاعا حيويا تتداخل فيه مجموعة من الرؤى ويتقاسمه مجموعة من الفرقاء   مما يجعل التحكم به وتوجيهه امرا صعبا و مستحيلا أحيانا.و المتدخلين

مما يفرض ضرورة استحضار مجموعة من الاسس حتى يحقق هدا القطاع نتائج تنموية مرضية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وعلى رأسها تبني سياسة عقارية جديدة وتخطيط عمراني فعال مع تضافر جهود كافة المتدخلين سواء في القطاع العام او الخاص وجميعالمهتمين بقطاع التهيئة و السكنى و التعمير..

فتهيئة المجال اليوم اصبح اداة لخلق الثروات و الرقي بإطار العيش بمدننا و قرانا، فهو الرابط بين سياسات اعداد التراب الوطني و سياسات التعمير ببلادنا، حيث سبق لجلالة الملك حفضه الله ان اكد بمناسبة انطلاق الحوار الوطني حول اعداد التراب، … و في هذا السياق فإننا ندعو لاعتماد منظور جديد لإعداد التراب الوطني قوامه اعتبار التهيئة الترابية احسن وسيلة للحد من التفاوت الجهوي و اداة لتطوير العقلاني للمشهد الحضري و انعاش العالم القروي، و امثل طريقة للتوفيق بين النجاعة الاقتصادية و حماية الثروات من جهة و بين العدالة الاجتماعية و الحفاظ على البيئة من جهة اخرى، ذلكم المنظور الذي نحرص على ان يدخل في اعتباره الارتباط العفوي بين تهيئة التراب الوطني و التعمير باعتبارهما وجهين لعملة واحدة (الرسالة الملكية السامية المؤرخة في 26 يناير 2000.)

فمن المسائل الملحة حاليا على مستوى اعداد التراب و تنمية المجال هي مدى قدرة بلادنا على رفع التحديات التي يطرحها التوسع العمراني المتنامي بفعل سرعة التمدن و الهجرة القروية المكثفة و تأثير ذلك على التنمية و القطاعات الاجتماعية المرتبطة بها كالتشغيل و السكن و الصحة. فالقضاء على المشاكل العمرانية مثل عدم التجانس بين الاقطاب الحضرية و انتشار السكن غير اللائق يفرض استحضار سياسة جديدة لإعداد التراب و تنمية المجال تقوم على تحيين السياسات العمومية القطاعية و تقنين الوثائق التعميرية و تبسيطها ضمانا لأسس تنموية تحافظ على بنية المجتمع و تماسكه.

فالتخطيط الحضري اليوم يتم بوسيلتين الاولى عبر وثائق التعمير و الثانية عبر تصاميم التهيئة الحضرية.

فتصميم التهيئة بمثابة دليل للسلطات العمومية في مجال التخطيط الحضري و التوسع العمراني، و اداة لترجمة توجهات المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية على ارض الواقع. و يتكون تصميم التهيئة من وثيقتين، الاولى تضم رسوما بيانية تبين الشكل الذي تتبعه المدينة او جزء منها في نموها او اتساعها، اما الثانية فهي عبارة عن مقتضيات قانونية تحدد ضوابط استعمال الاراضي و الارتفاقات و القيود و الالتزامات المفروضة لحقيق تهيئة لمجال منظم و متناسق.

و نظرا لأهمية هاته الوثيقة التعميرية نجد ان المشرع نظمها بموجب ظهير 16 ابريل 1916 اثناء فترة الحماية بغية احداث مدن جديدة او احياء متناسقة و منظمة و غنية بهندستها المعمارية، لتتوالى التعديلات التشريعية لتصميم التهيئة لمواكبة التطورات المتسارعة التي يعرفها قطاع التعمير ببلادنا و ذلك بناءا على ظهير 30 يوليوز 1952 ثم في ظهير 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات.

و للإحاطة بأهمية هذه الوثيقة و ادوارها التنموية، و تعريفا بقيمتها العمرانية لابد من الاحاطة بمجموعة من الاشكالات التي يطرحها هذا الموضوع. منها، ما هي الجهة المكلفة بإعداد و دراسة و المصادقة على مشروع تصميم التهيئة؟ من هم المتدخلون في اعداد تصميم التهيئة؟ ما المقصود بالبحث العمومي؟ ما هي محتويات هده الوثيقة؟ ما هي الاثار المترتبة على تطبيقها؟

و لمقاربة هذه الإشكالات سنقوم بمعالجتها على جزئين:

أولا: مسطرة اعداد تصميم التهيئة و المصادقة عليه. 

ثانيا: تنفيذ تصميم التهيئة و اثارها على التنمية العمرانية.

أولا: مسطرة اعداد تصميم التهيئة و المصادقة عليه.

يوضع تصميم التهيئة لتنظيم الحالات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون التعمير 12.90، و الهدف منه تخصيص بعض المناطق بحسب الغرض الذي يمارس بها و ذلك بأحداث منطقة سكنية او صناعية او تجارية او سياحية او منطقة فلاحية او غابوية، وكذا بالنسبة للمناطق المحرمة البناء و تحديد مسالك جديدة للطرق و الساحات و مواقف السيارات و حدود المساحات الخضراء و ميادين الألعاب. كما يوضع لتحديد المواقع المحددة للتجهيزات العامة كالمبانيالإدارية و دور العبادة و المنشآت ذات النفع العام و مواقع الاثار و دوائر القطاعات الواجب إعادة هيكلتها او تجديدها.

و نظرا لكون تصميم التهيئة يقوم بأدوار جمالية و تنموية هامة على المستوى الجمالي و العمراني، فان مسطرة اعداده تمر بعدة مراحل يتدخل فيها مجموعة من الفاعلين الرئيسين والثانويين، حيث تبدأ بإعداد دراسات تمهيدية مرورا بمرحلة البحث العلني انتهاء بمرحلة المصادقة.

1الفاعلين في اعداد تصميم التهيئة:    

يعتبر تصميم التهيئة أداة للتخطيط الحضري يهدف الى التحكم في استعمال ومراقبة المجال وضبطه حسب مانص عليه القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير.

و في هذا الإطار تلعب السلطات العمومية المركزية دورا رئيسيا في اعداد تصميم التهيئة فقد نصت المادة 23 من قانون التعمير على انه يوضع مشروع تصميم التهيئة من طرف الإدارة... فالمشروع يبدأ بإنجاز الدراسات الميدانية اللازمة للمناطق و تحديد ما تتوفر عليه من تجهيزات و مرافق عمومية ليتخذ قرار بعد ذلك بفتح مسطرة بداية المشروع من طرف الإدارة.

*دور الوكالة الحضرية في اعداد تصميم التهيئة

عملت السلطات العامة على تعميم الوكالات الحضرية على مختلف المدن لتسوية مشاكل

التخطيط والتدبير الحضريين وهذا راجع لتطور المدن المغربية حيث أصبحت قبلة للعديد من

سكان البوادي مع ما يترتب على ذلك من انتشار البناء العشوائي ودور الصفيح،

ويتجلى دور الأساسي للوكالات الحضرية في عملية اعداد تصميم التهيئة بمسعى من الوزارة

المكلفة بالتعمير مع مراعات الصلاحيات المسندة في هذا الميدان الى الوكالة الحضرية حسب

المادة 19 من قانون رقم 90-12 1 حيث تتولى تحضير مشاريع وثائق التعمير المقررة

بنصوص تنظيمية خصوصا خرائط التنطيق ومخططات التهيئة ومخططات التنمية، كذلك

صياغة البنود الخاصة بالصفقة المتعلقة بمشروع الوثيقة وتحديد المبلغ المالي لإعداد المشروع

مع متابعة مختلف مراحل الاعداد، بدءا بنشر طلب العروض المفتوح الى تلقي طلبات المشاركة في العروض التي تقوم بدراسة جوانبها المنهجية و التقنية و المالية، و التي على إثرها تعلن عن مكتب الهندسة المعمارية الفائز بالصفقة. الذي يعمل على انجاز أبحاث أولية حول التطور السكاني و حركية الهجرة و حجم النمو الديموغرافي و بيان التجهيزات الموجودة.

وعند انتهاء مرحلة الدراسات السوسيوقتصادية و المجالية يكون مكتب الدراسات ملزم بتقديم تقرير الى الوكالة الحضرية، لتقوم هذه الأخيرة بدراسته في إطارلجنة تضم بالإضافة الى عناصرها كل من رئيس المجلس الجماعي المعني و مهندس الجماعة المعنية. و يرجع السبب في اسناد هده المهام الى الوكالات الحضرية الى حجم الإمكانات و الوسائل التقنية و البشرية و المالية التي تتوفر عليها على خلاف المجموعات الترابية التي تعرف خصاصا هائلا في الوسائل و التقتيات التي تمكنها من صياغة تصاميم التهيئة.

بعد الدراسة و التمحيص و وضع مخطط اجمالي يحال المشروع للمجلس الجماعي لإبداء رايه فيه و إعادة تقيمه من الناحيتين القانونية و التقنية، و هو ما نصت عليه المادة 20 من المرسوم التطبيقي للقانون 12.90.

*دور الإدارة الجماعية في اعداد تصميم التهيئة

تعتبر الجماعات المحلية فاعلا أساسيا في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية عن طريق استغلال رصيدها العقاري وتجهيزه وتهيئته. فهي التي تعطي للأراضي العقارية طابعها

العمراني بفضل تصميم التهيئة وما يضمنه من تجهيزات أساسية ومرافق اجتماعية ضرورية

ولكن رغم ذلك فان دورها يبقى ثانوي في مقابل الدور الأساسي للوكالات الحضرية اذ تقوم

باستشارات محدودة فقط، او يقتصر دورها على ابداء الراي عندما يحال عليها داخل المدة المحددة قانونا،بالرغم من كون الجماعة فاعلا أساسيا في التخطيط العمراني و التدبير الحضري، بل يمتد الى تنفيذ المشروعات العامة كالطرق و المرافق العمومية.

فقد نصت المادة 23 من قانون 90-12 المتعلق بالتعميرعلى انه: يتم وضع مشروع تصميم التهيئة بمبادرة من الإدارة و بمساهمة الجماعات المحلية…

فالمادة أعلاه لم توضح مدلول مساهمة الجماعات المحلية وكيفية و مجال تدخلها في اعداد هذه الوثيقة. فهذه المحدودية التي وضعها القانون 90-12 جاءت على خلاف ما ادلى به الظهير المتعلق بالميثاق الجماعي والمعدل بمقتضى القانون رقم 78.00 الذي خول للجماعات المحلية عدة صلاحيات وكذا اتخاد جميع التدابير التي تحقق لها التنمية في مجال التخطيط الحضري داخل نفوذها الترابي.

* مدى إمكانية اشتراك الافراد في عملية اعداد تصميم التهيئة.

من المبادئ الأساسية للدمقراطية اشراك السكان فيما يتعلق بتدبير شؤونهم داخل الجماعة

المحلية سواء من الناحية الجغرافية او المجالية او العمل على تحقيق التنمية والتنافس حتى تكون

جماعتهم في أحسن حال. بالرجوع الى مقتضيات القانون رقم 90-12 نجدها لا تسمح للأفراد*

والخواص بالمساهمة في عملية اعداد مشروع تصميم التهيئة الا في مرحلة واحدة وهي مرحلة

البحث العلني، حيث يمكن لهم تسجيل ملاحظاتهم وتحفظاتهم وابداء رأيهم حول المشروع.

اما على المستوى العملي فان تدخل الساكنة في اعداد تصميم التهيئة يبدا في مرحلة البحث العمومي، كما ان عدد المشاركين محدود جدا حيث ينحصر في الأشخاص المتضررين من الارتفاقات التي تتحملها عقاراتهم في حالة المصادقة على مشروع تصميم التهيئة.

و باعتبار تصميم التهيئة وثيقة تحدد التجهيزات الأساسية والمرافق العامة و فتح مناطق جديدة

لتوسيع مدينة قائمة او بمناسبة تشييد مدينة جديدة فان مسطرة اعداده تمر بعدة مراحل تتصف

بالبطء و الرتابة و عدم التجديد

و بهده المناسبة ندعو الى ضرورة اشراك الساكنة و مختلف الفاعلين المدنيين و الملاكين و المنعشين و المستثمرين في مراحل اعداد تصميم التهيئة تماشيا مع التوجيهات الملكية السامية خاصة رسالته الى المشاركين في اللقاء الوطني لمشرع مدونة التعمير. حيث جاء فيها:ينبغي ان يعتمد المقاربة الديمقراطية القائمة على التشاور الواسع مع كل القطاعات و الهيئات المعنية باشراك المنعشين العقاريين و الفاعلين المحليين.

2 اعداد مشروع تصميم التهيئة ودراسته.

قبل الشروع في اعداد مشروع التهيئة تتم عملية انجاز الدراسات اللازمة لمعرفة الوضعية

الاقتصادية والاجتماعية والتجهيزات والمرافق العامة للمنطقة، بعدها يعود لرئيس مجلس

الجماعة المحلية اتخاد قرار القيام بدراسة هذا المشروع اما بمبادرة منه او بطلب من الإدارة

الوصية او الوكالة الحضرية داخل اجل 6 أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

بعد ذلك يجوز لرئيس الجماعة ان يؤجل البت في كل الطلبات الا انه يمكن استثناء ان يأذن

بإحداث هذه المشاريع إذا كانت موافقة لتصميم التهيئة طبقا للمادة 22 من القانون رقم 90- 12.

و في هذا الصدد قضت بعض المحاكم في عدم جواز الاذن بالبناء قبل المصادقة على المشروع مشروط بمخالفةهذه الاعمال لأحكام المشروع وان عدم ثبوت مخالفة اعمال البناء المرخص بها لأحكام مشروع تصميم التهيئةيجعل طلب الغاء الرخصة غير مستند على أسس قانونية و يتعين رفضه..

بعد ذلك يتم وضع تصميم التهيئة بمبادرة من الإدارة وبمساهمة من الجماعات المحلية طبقا

للمادة 23 من القانون 12.90، ثم تحيله على اللجنة محلية لإبداء رأيها، و التي تضم في عضويتها الوالي او عامل الإقليم باعتباره رئيسا و أعضاء اللجنة التقنية المحلية التابعة للعمالة او الإقليم المعني إضافة الى رؤساء المصالح الخارجية و مديري المؤسسات العامة و رؤساء الجماعات المحلية و كذا رؤساء الغرف المهنية. مع إمكانية الاستئناس بتوجيهات كل من رات فيه جدوى و ذلك بدعوة من رئيسها، و الهدف من ذلك هو دعم التشاور الإداري لإنجاح المشروع الجديد.

وبعد اختتام اعمال اللجنة المذكورة يتعين عليها داخلاجل 15 يوما على الأكثر ان توجه بيانا موجزا لأعمالها الى الوزارة المكلفة بالتعمير او مدير الوكالة الحضرية قصد اتخاد القرار المناسب.

3- إجراءات البحث العلني لمشروع تصميم التهيئة.

يختلف مشروع تصميم التهيئة عن باقي مشاريع وثائق التعمير الأخرى بكونه يخضع في

مسطرة اعداده لبحث علني يستمر شهرا ويجرى داخل المدة التي يكون فيها مجلس الجماعة

بصدد دراسته وابدا رايه فيه لشهرين من تاريخ إحالة مشروع تصميم التهيئة عليه، وإذ لم يبد هذا

المجلس رايه في المدة المحددة فان سكوته يعتبر بمثابةموافقة على المشروع.

وباعتبار تصميم التهيئة يهم بشكل مباشر المواطنين فانقانون التعمير أكد على ضرورة اجراء بحث علني شامل لمنافع و مضار المشروع. و ضمانا لاطلاع جميع المواطنين و صونا لحقوقهم فانه يجب على رئيس الجماعة تعليق اعلان لمشروع تصميم التهيئة بمقر الجماعة قبل افتتاح البحث العلني الذي يمتد الى شهر كامل. يبين فيه تواريخ افتتاح واختتام هذا الأخير. كما يجب على الرئيس ان يعمل على اشهار الإعلان المذكور بجريدتين يوميتين مسموح لهما بتلقي الإعلانات القانونية و ذلك لمرتين تفصل بينهما ثمانية أيام و ذلك طبقا للمادة 23 من المرسوم التطبيقي للقانون 12.90، و مع ذلك يمكن للرئيس اعتماد جميع الوسائل الملائمة للنشر حتى الالكترونية منها تمكن العموم من الاطلاع على مشروع تصميم التهيئة و ابداء ملاحظاتهم و تعرضاتهم بشأنه.

3 الموافقة على مشروع تصميم التهيئة.

بعد ان تستنفد كل المراحل السابقة يتم الاتفاق على تصميم التهيئة المقترح حيث تقوم الوكالة الحضرية بتوجيهملف المشروع الى الإدارة المركزية التي تتولى امر احالته على رئاسة الحكومة من اجل المصادقة عليه بمقتضى مرسوم يصدر باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير وينشر بالجريدة الرسمية.

وهكذا تقوم الإدارة المكلفة بالتعمير بدراسة المشروع في الشكل وبعد ان تتأكد من صحة الإجراءات والوثائق القانونية والتقنية المتطلبة قانونا، يقوم الوزير المكلف باقتراح الموافقة على التصميم لتقوم الإدارة بأرساله الى الأمانة العامة للحكومة التي تتولى نشره بمرسوم في الجريدة الرسمية.

و يلاحظ ان مرحلة المصادقة عرفت في القانون الجديد الحد من الهيئات العمومية المتدخلة في مسطرة المصادقة على مشروع تصميم التهيئة و حصرها في السلطات الحكومية المختصة فقط و هو امر إيجابي و كافي لدخول تصميم التهيئة حيز التنفيذ و اكتسابه القوة الملزمة التي يفرض بها محتوياته في مواجهة مخاطبيه.

ثانيا: تنفيذ تصميم التهيئة و اثارها على التنمية العمرانية.

تعتبر الموافقة على تصميم التهيئة بمثابة اعلان للمنفعة العامة من اجل تنفيذ مقتضياته التي تبقى سارية المفعول لمدة عشر سنوات تبتدئ من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية.

هذه المنفعة تستوجب قيام الجماعات المحلية بانجازالتجهيزات العمومية المنصوص عليها في تصميم التهيئة على خلاف مرحلة الدراسة التي يبقى فيه دور المجالس الترابية محدود بالنظر الى قيود النص التشريعي المتعلق بالتعمير، و هو ما أكدته المادة 31 من القانون 12.90.

1-تنفيذ تصميم التهيئة

يقع على عاتق المجالس الجماعية مسؤولية تنفيذ وتطبيق بنود تصاميم التهيئة و ذلك بوسيلتين الأولى الرقابة القبلية بمناسبة منح الرخص التعميرية و الثانية من خلال معاينة المنشآت و ضبط المخالفات و زجر المخالفين.

ومبدئيا لا يجري العمل بأحكام تصميم التهيئة الا بعد استنفاذ مسطرة اعداده و المصادقة عليه و نشره بالجريدة الرسمية. و عليه و بمجرد اختتام مرحلة البحث العلني أي بمجرد انقضاء المدة التي يستغرقها عرض مشروع تصميم التهيئة على عموم المواطنين لإبداءملاحظاتهم حوله الى غاية صدور النص الذي يقضي بالمصادقة على هذا المشروع. فانه يمنع طبقا لمقتضيات المادة 27 من القانون 12.90 منح الاذن بإنجاز كل الاعمال المتعلقة بالبناء و إقامة التجزئات العقارية و المجموعات السكنية إذا ما تضمنت هذه الاعمال ما يخالف احكام مشروع تصميم التهيئة الجديد، مما يفيد انه ابتداء من تلك اللحظة تصير مقتضيات هذا التصميم ملزمة ينبغي التقيد بها في انجاز كل الاشغال السالف ذكرها.

و إذا كان انجاز المشاريع يتطلب الحصول على ترخيص سواء المتعلقة بالبناء او التقسيم او التجزيء فان ذلك رهين بمدى احترام الضوابط المنصوص عليها في تصميم التهيئة و الجاري بها في مجال التعمير، فالرخص المذكورة لا تسلم الى المعني بالأمر الا إذا تبين من خلال الوثائق التقنية المرفقة بالطلب احترامها لمختلف ضوابط هذا التصميم. و يعتبر رئيس المجلس الجماعي هو المختص بتسليم رخصة البناء طبقا للمادة 41 من قانون التعمير و ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط في أحداحكامها حيث ذهبت الى ان الترخيص بالبناء عمل من اعمال الضبط الإداري موكول لرئيس المجلس الجماعي.

و للإشارة فان رئيس المجلس الجماعي لا يقوم بتسليم الرخص الا بعد التأكد من مدى مطابقة و احترام تصميم التهيئة، و في حالة منحه رخصة مخالفة للتصميم يكون قراره متسما بتجاوز السلطة و معيبا و مخالفا للقانون.

و لا يقتصر دور الجماعات في ممارسة التدابير الوقائية الرامية الى ضمان احترام تصميم التهيئة من خلال الرخص التعميرية، بل ان الدور يزداد أهمية في المراحل اللاحقة لإنجاز المشاريع موضوع تلك الرخص. فالمجالس المحلية تمارس مهام الضبط و الرقابة من خلال رخصة السكن و شهادة المطابقة و شهادة التسليم المؤقت و التسليم النهائي. و قد أكد مرسوم 08 أكتوبر 2019 المتعلق بتحديد كيفية مراقبة و زجر المخالفات في ميدان التعمير و البناء على أهمية المجالس الجماعية و الوكالات الحضرية في مراقبة المخالفات التعميرية و مدى احترام الاوراش لتصميم التهيئة.

تتص المادة 27 من المرسوم التطبيقي للقانون 12.90 تتخذ مجالس الجماعات و ان اقتضى الحال مجلس المجموعة الحضرية جميع التدابير اللازمة لتنفيذ احكام تصميم التهيئة و احترامها بتشاور مع المصالح الخارجية التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالتعمير او الوكالة الحضرية بحسب الحالة. و هو ما أكدته المادة 31 من قانون التعمير 12.90.

و في هذا الصدد نصت دورية وزارة الداخلية رقم 399 / م ع ق ه ا ت المؤرخة في 14 ماي 1996 المتعلقة بمتابعة تنفيذ تصميم التهيئة، على الالية التي تتم بها عملية التنسيق لتنفيذ تصميم التهيئة. عبر لجنة مختلطة يترأسها رئيس الجماعة و الذي يقوم ببرمجة مشاريع التهيئة و اقتناء الأراضي اللازمة لتفيذ تصميم التهيئة.

فالنص القاضي بالموافقة على التصميم التهيئة يعتبر بمثابة اعلان المنفعة العامة حيث تتكلف الجماعة المعنية بإنجاز التجهيزات المنصوص عليها في الفقرات 3 و 4 و 5 و 6 و 12 من المادة 19 من قانون التعمير و ذلك داخل اجل 10 سنوات، باستثناء الارتفاقات المحدثة بواسطة التصميم و التنطيق فهي تبقى سارية المفعول. و هدا المقتضى لا يعني ان تضع الإدارة يدها على العقارات قصد انجاز التجهيزات لمجرد المصادقة على تصميم التهيئة، بل لابد من سلوك المسطرة المنصوص عليها في قانون نزع الملكية و الاحتلال المؤقت رقم 81. 7.

وبالرجوع الى الميثاق الجماعي القانون رقم.78,00خاصة المواد 36 الى 41 و التي منحت المجالس الجماعية سلطات واسعة لتنفيذ تصميم التهيئة و ذلك بإحداث و تدبير المرافق و التجهيزات العمومية المحلية و انجاز التجهيزات دات الصبغة الصناعية و التجارية و الثقافية و الرياضية.

من جهة أخرى تلعب الوكالات الحضرية دورا مهما في تتبع و تنفيذ مضامين تصاميم التهيئة حيث تلعب هذه المؤسسات دورا هاما على مستوى تتبع و انجاز وثائق التعمير مع انجاز الدراسات اللازمة بالإضافة الى السهر على التنسيق بين كافة المتدخلين في مجال التعمير.

ففي السنوات الأخيرة عملت السلطات العمومية على تقوية دور الوكالات الحضرية من اجل ضبط المجال و و تبني سياسة عمرانية حديثة، فهي مؤسسات عمومية متخصصة تم منحها صلاحيات القيام بإعداد تصور لوثائق التعمير من جهة. و من جهة أخرى اسند لها المشرع مهام تتعلق بإنجاز الدراسات الخاصة بالتهيئة العمرانية و تنفيذ جميع مشاريع الصيانة العامة و التهيئة لحساب الدولة و الجماعات المحلية. هذا بالإضافة الى المادة السابعة من الظهير المتعلق بإحداث الوكالات الحضرية الذي اسند لها تشجيع و تجديد المباني و اعادة هيكلة الاحياء الهامشية.

وعلى هذا الأساس يلاحظ بان دور الوكالة الحضرية في ميدان التخطيط العمراني لا يقتصر على تحضير مشاريع وثائق التعمير فقط، بل يمكنها ان تساهم في تنفيذ مختلف المخططات و الدراسات التعميرية.

و من خلال قراءة المادة الثالثة من الظهير المحدث للوكالات الحضرية، يتضح بان الوكالة تلعب دورا متميزا على مستوى ملفات التعمير العملياتي في شقه المتعلق بالدراسة، بحيث ان رأيها يلزم الجهات المكلفة باحترامه سواء كان إيجابي او سلبي. و الكل في سبيل ضمان احترام الجميع للتصميم التهيئة.

بينما نصت المادة الرابعة من الظهير المذكور على ان الوكالات الحضرية تقوم بإبداء الراي في جميع المشاريع المتعلقة بتقسيم و تجزئة الأراضي و إقامة المجموعات السكنية…. و يكون الراي الذي تبديه في ذلك ملزما. و من تم فان هذا الراي بشأن المشاريع المعروضة عليها هو راي متطلب قانونا و لا يصح الترخيص بدونه.

وعلى مستوى المراقبة و التتبع لضبط حركة العمران نجد ان هذا المقتضى من صميم الاختصاصات الرئيسية للوكالات الحضرية التي تعمل على مراقبة المشاريع التي تكون في طور الإنجاز عبر وسيلتين، الأولى المراقبة الانية للمشاريع و الثانية الرقابة البعدية. فبالنسبة للمراقبة الأولى و التي تتمثل في مراقبة المشاريع التي في طور الإنجاز حيث تعمل الوكالة على احداث هيئة محلفين تابعة لمديرها يتكلفون بإثبات المخالفات للنصوص التشريعية و التنظيمية المتعلقة بالتعمير، حيث تتولى القيام بدوريات ميدانية في مختلف الاوراش التي في طور الإنجاز، و يتم تحرير محاضر بالمخالفات وفقا للمواد 64 و 65 و 66 من قانون التعمير.

وبالنسبة للمراقبة البعدية للمشاريع فهي تهم مراقبة المنشآت او المشاريع المنجزة من حيث احترامها للنصوص التشريعية و التنظيمية و مدى مطابقتها أيضا للرخص المسلمة بغرض إنجازها. و ادا كان من اختصاص رئيس المجلس الجماعي تسليم رخص السكنى و شواهد المطابقة فهو لا يقوم بذلك الا بعد القيام بمعاينة البناية المعنية و ابداء الراي من طرف اللجنة المنصوص عليها في الدورية الوزارية عدد 14 بتاريخ 10 يناير 1994 و التي تضم من بين أعضائها ممثل عن الوكالة الحضرية.

وعلى صعيد اخر تتولى الوكالة الحضرية المشاركة في اللجنة المكلفة بتسليم اشغال تجهيز التجزئات سواء المؤقت او النهائي. برفقة ممثلي مختلف المصالح المعنية.

2- اثار تنفيذ تصميم التهيئة. 

تعتبر الموافقة على تصميم التهيئة بمثابة اعلان المنفعة العامة من اجل تنفيذ مقتضيات التصميم الذكور لمدة عشر سنوات، و تنص المادة 31 من القانون 12.90 على ضرورة اتخاد كافة الأشخاص المعنوية العامة المعنية لكافة التدابير اللازمة لتنفيذ توجهات تصميم التهيئة و العمل على ترجمتها على ارض الواقع، و كذا السهر على احترام مقتضياته و احكامه دون تمييز بينها و بين الافراد، مع تشاور تام مع المصالح الخارجية التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالتعمير او الوكالة الحضرية بحسب الحالة. و في هذا الصدد يجوز للمجالس الجماعية، القيام بتواصل مع المصالح الخارجية من اجل برمجة مشاريع التهيئة المتوخاة من تصميم التهيئة، و كذا العمل بانتظام على معرفة حالة تقدم تنفيذ الاحكام و المقتضيات الواردة في تصميم التهيئة و خاصة تنفيذ الاشغال و العمليات العامة.

فبمجرد نشر نص الموافقة على تصميم التهيئة بالجريدة الرسمية، تدخل الاثار حيز التنفيذ سواء بالنسبة للأفراد ا للمؤسسات سواء العمومية منها او الخاصة، و عليه يقع على الخواص ضرورة احترام احكام تصميم التهيئة و مقتضياته من اجل الحصول على التراخيص. فالأفراد لا يمكنهم التمسك بوثائق التعمير التي يتم تغييرها حسب احتياجات الجماعة، و في هذا الصدد يجوز للإدارة مراجعة بعض مقتضيات التجزئات المرخصة قبل الموافقة على التصميم الجديد، حيث تعمل على تحيين التزامات المجزئ لتتلاءم و توجهات التصميم الجديد.

فخلال فترة تنفيذ تصميم التهيئة و هي مدة عشر سنوات تغل يد الافراد و الملاك امام عقارتهم المخصصة لإنجازالتجهيزات العامة، و ينقضي هذا المنع مباشرة بعد مرور هذه المدة حيث يستعيد الملاك حق التصرف في عقاراتهم.

بقي لنا ان نشير الى ان المشرع نص في المواد 19 و 46 من قانون التعمير و المادة 35 من المرسوم التطبيقي المتعلق به على مبدا التعمير الاستثنائي لدواعي التنمية الاقتصادية و الاجتماعية لخلق رواج اقتصادي او انجاز برامج سكنية اجتماعية او مشاريع استثمارية كبرى.

3- اثار تصميم التهيئة على التنمية العمرانية.

تعبر الاستدامة العمرانية عن حالة جديدة في مفاهيم التدبير العمراني الجديد و هي خليط من مفاهيم و اهداف تجمع بين ما هو بيئي و عقاري و اقتصادي و اجتماعي و حتى السياسي و التقني و الطبيعي. و هو معطى جديد يحظى بأهمية دول العالم التي تطمح الى تحديث المدن و الشبكات الحضرية.

و قد ظهرت فكرة التنمية العمرانية في مؤتمر قمة الأرض المنعقد بريو ديجانيرو سنة 1992، ليستمر التعاطي مع هذا المفهوم في مختلف القمم الدولية و الإقليمية و الوطنية، لتكريس حق الفرد في العيش الكريم في اطار تنمية عمرانية مستدامة .

و يعد تصميم التهيئة احدى اهم العناصر المعتمدة في تحقيق تنمية عمرانية مستدامة من خلاله تنصيصه على ضرورة توفير المساحات المفتوحة و الحدائق و المناطق الخضراء التي تعمل على تلطيف المناخ و تعزيز التنوع الحيوي و الراحة العامة و فرص المتعة و الرفاهية.  من جهة أخرى يعتبر التخطيط و الربط الطرقي من اهم العناصر التي يجب وضعها في تصاميم التهيئة للوصول الى تخطيط عمراني سليم و مستدام، من خلال توسيع الممرات و الطرق الامنة و المتطورة.

و عليه و لتحقيق تنمية حضرية مستدامة بات من الضروري اعتماد تصاميم تهيئة جديدة بمفاهيم و أفكار مبتكرة تراعي مجموعة من المؤشرات التي تقوم عليها الاستدامة منها:

*تبني تغييرات جدرية على مستوى المساكن و بناء العمارات الشاهقة و انشاء الاحياء الجديدة العصرية.

*مراعاة عوامل التنمية الحضرية المرتبطة بالأفراد و الجماعات و المؤسسات و البيئة و الطبيعة و مختلف النشاطات. هي عوامل لو تم دمجها سيتم تحقيق اهداف التنمية الحضرية المتمثلة في رفع مستوى عيش السكان اقتصاديا و اجتماعيا، مع صنع بيئة جديدة لممارسة الأنشطة المختلفة سواء المتعلقة بحركية التصنيع و الإنتاج او تلك المرتبطة بالمهن و الصناعات و الحرف.

*اعتبار متطلبات التنمية الحضرية المتمثلة في الاعتماد على متغيرات السكان و البيئة و التكنولوجيا و التنظيم، مع اعتبار الفرد العنصر الفعال في التطوير و التجديد.

*اعتماد الاختراعات و الأفكار و الكفاءات الجديدة في التخطيط العمراني، المبنية على التحليل و التخطيط المسبق للمشاكل المتوقعة مستقبلا.

*إحصاء مسبق لكافة الاحتياجات التي تحتاجها المدن من هياكل و مشاريع تنموية.

بقي لنا ان نشير الى ان تنفيذ تصميم التهيئة بالمغرب لازالت تعترضه مجموعة من العراقيل تجعله ينعكس سلبا على تحقيق التنمية العمرانية المستدامة وفقا للغايات التي طرحناها أعلاه. و من تلك العراقيل نسرد ما يلي :

ازدواجية النظام العقاري بالمغرب وتعدد التشريعات العقارية و هي خاصية سلبية يمتاز بها المغرب دون غيره من التشريعات، فتنفيذ البرامج المسطرة في تصميم التهيئة يحتاج الى وعاء عقاري مطهر و خالي من النزاعات و التحملات و التكاليف و هو امر صعب للغاية الى ما نظرنا الى التنوع الذي يعرفه القطاع العقاري بالمغرب فهناك أراضي الاحباس و الأراضي الجماعية و أراضي الكيش و الأملاك العامة و الخاصة للدولة... و التي يصعب اقتناؤها وتدبيرها واستغلالها نظرا لحجم المشاكل التي يعاني منها كل نوع على حدة.

 فازدواجية النظام العقاري المغربي المتمثل في عقارات محفظة واخرى غير محفظة، تشكل عائقا اخر امام تنفيذ تصاميم التهيئة. وان كان الامر اقل حدة بالنسبة للعقارات المحفظة التي تسهم نسبيا في يسر التطبيق وتسهيل المعاملات العقارية، فان النوع الثاني الغير المحفظ يثير العديد من الإشكالات مثل تعدد المضاربات وانتشار العشوائية و كثرة المنازعات التي تعوق استثمار هذا النوع من العقارات في برامج تنموية و عمرانية. فالواقع العقاري لمختلف المدن المغربية شكل ولا زال عائقا نحو تنفيذ تصاميم التهيئة على ارض الواقع، مما نتج عنه صعوبة إيجاد تخطيط عمراني لائق ومناسب.

من جهة أخرى نجد محدودية الاحتياط العقاري للدولة عائقا نحو تنفيد البرامج المسطرة في تصميم التهيئة. فتنفيد أي مشروع يحتاج الى ان يكون واقعيا و قابلا للتحقق، فالمادة 28 من قانون التعمير نصت على ان الموافقة على تصميم التهيئة تجعل من تنفيد بنوده من المنفعة العامة و هدا يجعل العقارات المخصصة لتنفيذهتبقى مجمدة و بدون استعمال من طرف مالكيها الى حين تمكن الإدارة من توفير الاعتمادات المالية لنزع ملكيتها. و هو ما لا يتحقق في غالب الأحيان بسبب عدم توفير الاعتماد او صعوبة تنفيد البرامج كحالة صعوبة تطهير العقارات.

فالجماعات المحلية تعاني بدون استثناء من صعوبات مالية و ضعف الموارد المالية الشيء الدي يؤثر على سياسة التخطيط العمراني و الحضري للمدن، و هو ما يطرح مسالة التمويل بالنسبة لبرامج تصميم التهيئة التي تبقى صعبة التنفيذ امام هدا العائق المادي. و عليه يتعين التفكير في إيجاد حلول لتمويل مختلف البرامج المسطرة في تصميم التهيئة كالبحث عن مصادر جديدة لتمويل وثائق التعمير و تصميم التهيئة.

بقي لنا ان نشير الى الإشكالات التي يثيرها تنفيذتصاميم التهيئة بالنسبة للأفراد و الملاك بخصوص العقارات التي كانت موضوع اعلان منفعة عامة بتصميم التهيئة و مرور المدة القانونية دون انجاز المرافق و التجهيزات العمومية فالأثار المترتبة عن اعلان المنفعة العامة تنتهي بانقضاء اجل عشر سنوات الدي يبدا من تاريخ نشر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة بالجريدة الرسمية، و لا يجوز القيام بإعلان المنفعة العامة للغرض نفسه فيما يتعلق بالمناطق المخصصة للتجهيزات و المرافق السابق برمجتها قبل انصرام اجل العشر سنوات.

و تعتبر المادة 28 من القانون 90\12 هي الأساس القانوني الدي يمكن الملاك من احقية استرجاع التصرف في أراضيهم بعد انقضاء اجل عشر سنوات، خاصة و ان المشرع استعمل عبارة فورا التي تفيد الانية و ان استرداد الملك يتم بقوة القانون و فور انتهاء الاجل القانوني لتصميم التهيئة.

غير ان القانون لم يبين المسطرة الواجب اتباعها و الإدارات المعنية برفع اليد لإنهاء مضار عقل العقار المشمول بتخصيص عمومي، و ما هي الجهة الإدارية المخاطبة بالاسترداد هل هي الإدارة المستفيدة من المنشاة العمومية المبرمجة؟ ام الوكالة الحضرية باعتبارها متدخلا أساسيا في اعداد وثائق التعمير ام الجماعة الترابية المتواجد بها العقار.

لقد وضعت الدورية الوزارية الصادرة عن وزير السكنى و التعمير و سياسة المدينة بتاريخ 10 دجنبر 2012 تحترقم 20469، حدا لإشكالية رفع اليد عن العقارات المعقولة على اثر تصاميم التهيئة، حيث نصت على مجموعة من التوضيحات بخصوص كيفية التعامل مع الأراضي المخصصة للمرافق و التجهيزات العمومية المبرمجة بتصميم التهيئة، بحيث تم التأكيد على ان مقتضيات المادة 28 من قانون التعمير جاءت صريحة بكون ملاك الأراضي لهم الحق في استرجاع عقاراتهم و التصرف فيها فور انتهاء الاثار المترتبة عن اعلان المنفعة العامة المرتبطة بها و المحددة في اجل عشر سنوات، على ان يكون استعمالها مطابقا للغرض المخصصة له المنطقة التي يقع بها العقار.

ولتفادي الزج بالإدارات العمومية في نزاعات عقارية اكدت الدورية أعلاه على ضرورة السهر على برمجة تصاميم التهيئة دون إعادة برمجة نفس البرامج السابقة.

و في هدا الصدد طرح سؤال حول إمكانية المطالبة بالتعويض عن عدم انجاز المرافق و التجهيزات العمومية، حيث ان التراجع عن نزع ملكية العقارات قد تسبب في اضرار لملاك الأراضي، خاصة و ان القاعدة العامة في التشريع المغربي ان أي متضرر من فعل الغير له الحق في جبر الضرر ادا تبين ان هناك علاقة سببية بين الخطأ و الضرر.

أما بالنسبة للتعويض عن الحرمان من الاستغلال من الأراضي التي كانت موضوع اعلان عن المنفعة العامة، فان القانون المتعلق بالتعمير لم ينص على احقية مالكي العقارات في التعويض. لكن على المستوى القضائي يلاحظ في السنوات الأخيرة توجه محاكم المملكة الى إقرار مبدأ التعويض عن الحرمان من الاستغلال دون التعويض عن فقد الرقبة حيث جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير بانه: في حالة عدم تنفيد تصميم التهيئة على ارض الواقع فان المدعي محق فقط في الحصول على التعويض عن الحرمان من الاستغلال دون التعويض عن فقد الرقبة.

خاتمة

و في الختام و بعد عرض مختلف المراحل التي يمر منها تصاميم التهيئة سواء على مستوى الإدارة و الأجهزة المعنية به، او على مستوى الاجرائي من خلال رصد المسطرة المتعلقة بإنجازه و طرق تنفيذه و العلاقة بالمجال و التنمية العمرانية. لابد ان نؤكد على أهمية تصميم التهيئة الدي يعد من الأدوات الأساسية المهمة للتخطيط العمراني و التدبير الحضري و المجالي. فهو الوسيلة التي تعمل على تحديد المجال العمراني و تنظيمه من خلال تجديد الاختيارات لتحقيق تنمية متوازنة على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي و العمراني…..

لكن رغم هده الأهمية التي يكتسيها تصميم التهيئة الا ان تنفيذه على الوجه الصحيح لازالت تعترضه مجموعة من الإشكالات التي تعيق التحقيق الجيد لأثاره، خاصة في ما يخص بطئ المساطر و التأخير في الاعداد. اما على صعيد التنفيذ غالبا ما يلاحظ ان التجهيزات و المرافق المعلن عنها في تصميم التهيئة غالبا ما تبقى حبرا على ورق نظرا لصعوبة التمويل و ضعف الإمكانات.

كما نسجل الدور المحدود للمجالس الجماعية في اعداد تصميم التهيئة مقارنة بالدور المهيمن للوكالات الحضرية، علما ان المجلس الجماعي هو ممثل الساكنة و على اطلاع مباشر بمشاكلها العمرانية و المؤسسة الوحيدة المسند اليها تنفيد البنود الواردة في تصميم التهيئة. و على مستوى اخر فان مدة البحث العمومي قصيرة جدا بالمقارنة مع حجم الشكايات و التظلمات و النفود الترابي الكبير لكل جماعة.

و عليه نرى انه حان الوقت لرد الاعتبار للمجالس الجماعية خاصة و ان المملكة تعرف تطبيق الجهوية الموسعة التي تفرض ضرورة اشراك المؤسسة المنتخبة بشكل فعلي و مباشر في اعداد وثائق التعمير مادامت هي المعنية بتنفيذ التصميم لاحقا و تتحمل مسؤولية تحقيق أهدافه و اغراضه.

و بناءا عليه و نظرا لأهمية تصاميم التهيئة في تحقيق التنمية العمرانية و الاقتصادية و الاجتماعية، ينبغي إعادة النظر في الاختصاصات المسندة لكل متدخل في اعداده و تنفيذه وفقا لمقاربات شمولية و عقلانية تأخذبعين الاعتبار الإمكانات الحقيقية المتاحة و الحاجيات المتطلبة مع التركيز على مجموعة من التوجيهات الضرورية المتمثلة في:

إعادة النظر في القوانين المنظمة للتعمير و تحديث الترسانة القانونية المرتبطة بها مع تبسيط الإجراءات المسطرية بما يسهم في القضاء على الرتابة الإدارية و تجاوز البطء و التعقيد في اعداد وثائق التعمير.

اعداد مخططات مرنة تراعي الإمكانات و الحاجيات مع اعتماد تنطيق مناسب لتجاوز المشاكل التي يعاني منها التدبير الحضري و المجالي.

توفير الاعتمادات المالية الضرورية لتمويل البرامج و المرافق المبرمجة في تصاميم التهيئة مع اشراك مختلف الفاعلين و الهيئات و المؤسسات في تنفيد المشاريع وفقا لأجال مضبوطة.

التركيز على التعمير التشاوري و توسيع المشاركة لتشمل مختلف الفاعلين في قطاع التعمير و اعداد المجال..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى