حين يقلق الإصلاح لوبيات الفساد.. التازي في قلب معركة طنجة

متابعة | ياسر الصيباري
منذ تعيين “يونس التازي” على رأس ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، لم تهدأ حوله موجة الجدل، بين من اختار النقد البناء ومن انجرف نحو أساليب لا تليق بمقام رجل سلطة يمثل الدولة، غير أن قراءة متأنية لمسار الرجل تكشف أن ما يجري يتجاوز مجرد اختلاف في التقييم، ليصل إلى صراع حقيقي بين منطق الإصلاح ومنطق المصالح الضيقة.
في الأسابيع الأولى من توليه المسؤولية، وجهت للوالي انتقادات بخصوص ما اعتبر “انغلاقا” على فعاليات المدينة، وهو ما خلق انطباعا أوليا لدى جزء من الرأي العام، غير أن هذا الحكم السريع لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة عمل رجال الإدارة الترابية، حيث يفرض المنهج المهني التريث في التشخيص، وجمع المعطيات الدقيقة قبل فتح قنوات التواصل واتخاذ القرارات. وهو ما بدا واضحا لاحقا، حين انتقل الوالي من مرحلة الاستماع إلى مرحلة الفعل الميداني.
ففي ظرف وجيز، أطلق التازي دينامية جديدة همّت مشاريع تنموية وبنيات تحتية، أعادت ترتيب أولويات التدبير المحلي، ووضعت أسسا أكثر صرامة في التعاطي مع ملفات ظلت لسنوات رهينة التردد أو التواطؤ، هذه التحركات لم تمر مرور الكرام، بل أربكت توازنات كانت قائمة، خاصة لدى بعض اللوبيات التي اعتادت الاشتغال في مناطق رمادية.
ويجمع عدد من المتتبعين على أن أسلوب الوالي يقوم على قاعدة “العمل في صمت”، بعيدا عن منطق الاستعراض الإعلامي، وهو اختيار قد لا يروق للبعض، لكنه يعكس فلسفة تدبيرية قائمة على النتائج لا الشعارات، فالرجل يفضل أن تتحدث المشاريع على الأرض بدل التصريحات، وهو ما منح تدخله نوعا من المصداقية لدى فئات واسعة من الساكنة.
غير أن أبرز ما ميّز مرحلة التازي هو تعامله مع ملف التعمير والعقار، الذي ظل لسنوات أحد أعقد الملفات في طنجة، فقد اتجه نحو فرض احترام القانون، والتصدي لتجاوزات ظلت في السابق تمر دون مساءلة، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع لوبيات قوية (سياسيين ومنعشين عقاريين ورجال المال والأعمال..) لا ترى في المدينة سوى مجالا لتحقيق الأرباح، ولو على حساب التوازن العمراني والمصلحة العامة.
ولعل ما زاد من حدة هذه المواجهة، هو كسر منطق “الاستثناء”، حيث تم تطبيق القانون على الجميع دون تمييز، بما في ذلك أطراف كانت تعتبر نفسها خارج دائرة المحاسبة، مستندة إلى علاقات ونفوذ مفترض، هذا التحول لم يكن سهلا، بل فتح الباب أمام ردود فعل مضادة، اتخذت في بعض الأحيان أشكالا غير أخلاقية وغير مسبوقة، من حملات تشويه إلى محاولات تبخيس المجهودات المبذولة، وهو ما انتبه له حتى المواطن العادي البعيد عن كواليس الشأن العام المحلي.
في هذا السياق، يمكن فهم تصاعد الخطاب الذي يتهم الوالي بتصفية الحسابات، وهو خطاب يجد صداه أساسا لدى المتضررين من تشديد المراقبة، غير أن هذا الطرح يظل ضعيفا أمام واقع يلمسه المواطن يوميا، من خلال تحسن مستوى الانضباط في عدد من القطاعات، وتراجع مظاهر “السيبة” كانت إلى وقت قريب تعتبر “عادية”.
إن ما يجري اليوم في طنجة ليس مجرد خلاف حول أسلوب تدبير، بل هو تعبير عن مرحلة انتقالية، يتم فيها إعادة رسم حدود السلطة والنفوذ، بين دولة تسعى إلى فرض القانون، وشبكات تحاول الحفاظ على امتيازاتها. وفي قلب هذا التحول، يقف الوالي التازي كأحد الوجوه التي اختارت خوض هذا الرهان، بكل ما يحمله من كلفة سياسية وإعلامية.
ختاما، يبدو أن المعركة الحقيقية التي تخوضها طنجة اليوم ليست فقط مع اختلالات التعمير أو بطء التنمية، بل مع ثقافة ترسخت لسنوات، وجعلت من الفساد أمرا واقعا، لذلك، فإن أي محاولة للإصلاح، مهما كانت جديتها، ستظل بالضرورة هدفا لهجمات مضادة، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تنتصر إرادة التقويم، أم تستعيد لوبيات المصالح مواقعها مع والي يتعامل بالعدل مع الجميع؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.



