حملة غامضة تستهدف قنصلة إسبانيا بطنجة.. من يقف وراءها ومن المستفيد؟

متابعة | هيئة التحرير

يبدو الهجوم المتصاعد خلال الأيام الأخيرة على القنصلة العامة لإسبانيا في طنجة، “أورورا دياز راتو”، غريبا في توقيته وحجمه، خصوصا بعدما تحول ما يفترض أن يكون نقاشا إسبانيا داخليا حول قواعد الاستضافة داخل المقرات الدبلوماسية إلى حملة سياسية وإعلامية وضعت القنصلة نفسها في قلب الاتهامات.

لا أحد يعترض على حق الصحافة في طرح الأسئلة، ولا على حق القضاء الإسباني في التحقق من أي شبهة تتعلق باستعمال المال العام، لكن الفرق كبير بين البحث عن الحقيقة وبين تحويل وقائع لم يقل القضاء كلمته فيها إلى مادة للمزايدة السياسية واستهداف مسؤول دبلوماسي يمارس مهامه في بلد تربطه بإسبانيا علاقات استراتيجية وحساسة.

القضية بدأت بالكشف عن إقامة وزير الدفاع الإسباني الأسبق “خوسيه بونو” داخل مقر تابع للقنصلية في طنجة (وهو أمر عارٍ من الصحة وهذا ما تؤكده تقارير الاستعلامات الاسبانية المرابطة داخل مقر القنصلية العامة)، قبل أن يمتد الجدل إلى استضافة وزيرة الصحة السابقة والنائبة الأوروبية الحالية “ليري باخين”، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام قضية قانونية فعلية أم أمام تصفية حسابات سياسية إسبانية يجري نقل جزء منها إلى الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق؟

وزارة الخارجية الإسبانية نفسها سبق أن أوضحت، وفق ما نقلته الصحافة الإسبانية، أن استضافة السفراء والقناصل لمسؤولين حاليين أو سابقين ليست ممارسة استثنائية في حد ذاتها، وبالتالي، فإن تحديد ما إذا كانت استضافة معينة تجاوزت الأعراف أو القواعد القانونية يبقى من اختصاص المؤسسات الإسبانية المختصة، وليس من اختصاص حملات التشهير أو المحاكمات الإعلامية.

الأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الحملة تأتي في مرحلة تعرف فيها العلاقات بين المغرب وإسبانيا مستوى مهما من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وهو ما يجعل أي محاولة لإقحام المؤسسات الدبلوماسية في صراعات السياسة الداخلية الإسبانية أمرا لا يخدم مصالح مدريد ولا علاقاتها الاستراتيجية مع الرباط.

طنجة ليست ساحة لتصفية الحسابات بين الأحزاب والسياسيين الإسبان، والقنصلية الإسبانية فيها ليست امتدادا لمعركة انتخابية أو حزبية داخل مدريد، إنها مؤسسة دبلوماسية يفترض أن يكون دورها خدمة المصالح الإسبانية وتعزيز التواصل والتعاون مع المغرب.

ومن هنا، فإن استهداف القنصلة “أورورا دياز راتو” بهذه الطريقة يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات الحملة وأهدافها الحقيقية، خصوصا إذا تحولت مسألة الاستضافة “المزعومة” إلى ذريعة لضرب صورة مسؤولة دبلوماسية أو التشويش على عمل القنصلية.

إذا كانت هناك مخالفات، فالقضاء الإسباني وحده كفيل بإثباتها وترتيب المسؤوليات بشأنها، أما استباق التحقيقات وتحويل القضية إلى حملة سياسية، فلا يخدم الحقيقة بقدر ما يفتح الباب أمام الشك في أن وراء الضجيج أهدافا تتجاوز بكثير مسألة من أقام داخل مقر القنصلية ومن لم يقم.

العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تتحول إلى ورقة في صراعات داخلية، والمصلحة الإسبانية نفسها تقتضي حماية العمل الدبلوماسي من المزايدات، مع إخضاعه، في الوقت ذاته، للقانون والشفافية والمساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى