إقرار ضمني بتفاقم معاناة المغاربة.. القدرة الشرائية تتصدر الوعود الانتخابية لأحزاب الأغلبية والمعارضة

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر الجاري، فرضت قضية القدرة الشرائية نفسها بقوة على البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية، سواء المنتمية إلى الأغلبية الحكومية أو الموجودة في صفوف المعارضة.
ومع توالي الأحزاب في الكشف عن برامجها الانتخابية، برزت القدرة الشرائية كعنوان مشترك بين مختلف المشاريع السياسية، وإن اختلفت المقترحات وطرق المعالجة، بين خفض الأسعار، والرفع من الأجور والمعاشات، وتوسيع نطاق الدعم الاجتماعي، وتخفيف العبء الضريبي، فضلاً عن تقديم إجراءات تستهدف الأسر والطبقة الوسطى.
ويعكس هذا التركيز المتزامن، وفق قراءات متابعين للشأن السياسي والانتخابي، حجم الأهمية التي بات يحتلها ملف غلاء المعيشة في النقاش العمومي، بعدما أصبح ارتفاع الأسعار من أبرز التحديات التي تواجه الأسر المغربية خلال السنوات الأخيرة.
وجدت أحزاب الأغلبية الحكومية نفسها مطالبة بتقديم أجوبة جديدة حول ملف الأسعار والدخل، في ظل انتقادات وجهتها إليها أحزاب المعارضة بشأن تدبير ملف القدرة الشرائية خلال الولاية الحكومية المنتهية.
وفي هذا السياق، وضع حزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، «ميثاق القدرة الشرائية» ضمن أولوياته الخمس، ورصد له 150 مليار درهم من أصل 350 مليار درهم يقدر الحزب الكلفة الإجمالية لتنفيذ برنامجه خلال خمس سنوات.
ويقترح الحزب إعادة أسعار عدد من المواد الأساسية إلى مستويات يعتبرها طبيعية، من خلال إصلاح سلاسل التوزيع ومحاربة المضاربة والوساطة غير المنتجة، إلى جانب تنظيم صادرات المنتجات الفلاحية بما يضمن أولوية السوق الوطنية، وتعزيز تتبع المعاملات داخل أسواق الجملة.
ومن بين أبرز المقترحات التي تضمنها برنامج «البام»، مجانية فاتورة الكهرباء الشهرية التي تقل عن 100 درهم، دون الحاجة إلى إجراءات إدارية، على أن تمول جزئياً عبر مساهمة تضامنية بنسبة 12 في المائة على الاستهلاك الذي يتجاوز 200 كيلوواط/ساعة شهرياً.
كما يتعهد الحزب بإعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، فضلاً عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم للأسرة.
بدوره، جعل حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الائتلاف الحكومي، «الحماية المستدامة للقدرة الشرائية» في صدارة برنامجه الانتخابي، ضمن تصور يحمل شعار «كرامة وفرص للجميع».
ويقترح الحزب إحداث «درع اجتماعي» يربط الدعم الاجتماعي المباشر بمعدلات التضخم، إلى جانب وضع مؤشر مرجعي لأسعار الطاقة والكهرباء بهدف حماية الأسر من الصدمات المرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة.
كما يتضمن البرنامج رفع الحد الأدنى القانوني للأجر، وملاءمة الحد الأدنى للأجر في القطاع الفلاحي مع باقي القطاعات، وإعادة تقييم وتأهيل معاشات التقاعد، إلى جانب رفع متوسط الأجور وتوسيع القطاع المهيكل.
ويقترح الحزب كذلك «درعاً تعليمياً» للأسر، من خلال خصم ضريبي يصل إلى 5000 درهم سنوياً عن كل طفل لتغطية تكاليف التمدرس.
أما حزب الاستقلال، العضو الثالث في الأغلبية، فقد وضع تحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى في صلب برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031.
ويقترح الحزب إحداث آلية وطنية لتتبع هوامش الربح في السلع والخدمات المرتبطة بالحياة اليومية، إلى جانب إنشاء شركات جهوية لاقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، فضلاً عن الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات.
كما يتضمن برنامجه “عقدا اجتماعيا للخروج من الفقر”، من خلال بطاقة أسرية موحدة تجمع مختلف آليات الدعم، وخطة وطنية لتقوية الطبقة الوسطى، إلى جانب تيسير الولوج إلى تمويل السكن الأول لفائدة الشباب والطبقة المتوسطة.
في صفوف المعارضة، جعل حزب التقدم والاشتراكية الدخل والأجور وإعادة توزيع الثروة محورا أساسيا في مقاربته للقدرة الشرائية.
ويقترح الحزب رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 15 في المائة على مرحلتين، وربط الزيادات المستقبلية في الأجور بمعدل التضخم، فضلاً عن إشراك الأجراء والموظفين في نتائج وأرباح الشركات الكبرى، بما يسمح لهم بالاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي.
من جهته، يربط حزب العدالة والتنمية تراجع القدرة الشرائية بموجة التضخم التي عرفها المغرب منذ سنة 2022، معتبراً أن معالجة الوضع لا ينبغي أن تقتصر على تقديم مساعدات مالية للأسر.
ويقترح الحزب مكافحة التركيز والهيمنة في الأسواق الاستراتيجية، خصوصاً في قطاعات المحروقات والمواد الغذائية، وتفعيل صلاحيات مجلس المنافسة، وإعادة توجيه الدعم العمومي نحو السلاسل الفلاحية الموجهة للسوق الوطنية، فضلاً عن ضمان تسعير عادل للماء والطاقة.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد جعل “حماية القدرة الشرائية” إحدى أولوياته ضمن برنامج “التنمية العادلة، مقترحاً رفع متوسط الأجور بنسبة 20 في المائة، وخفض كلفة العلاج ونفقات الأسر المرتبطة بالصحة والتعليم.
كما يتضمن برنامجه إجراءات لفائدة المتقاعدين، من بينها رفع الحد الأدنى للمعاشات بنسبة 25 في المائة، وربط الأجور والمعاشات بمستوى المعيشة ومعدلات التضخم.
وتسير أحزاب أخرى، من بينها الحركة الشعبية وفيدرالية اليسار، في الاتجاه نفسه، من خلال تقديم مقترحات تركز على دعم القدرة الشرائية وتحسين مستوى دخل الأسر.
وهكذا، تحولت القدرة الشرائية إلى قاسم انتخابي مشترك بين أحزاب تختلف في مرجعياتها ومواقعها السياسية، من الأغلبية الحكومية إلى المعارضة واليسار، في مؤشر على أن ملف الأسعار والدخل سيكون من أبرز القضايا التي ستؤثر في النقاش الانتخابي، وفي اختيارات الناخبين خلال استحقاقات 23 شتنبر.



