سبتة ومليلية.. التاريخ والجغرافيا على مقاس المصالح الإسبانية!

بقلم | ذ. عصام الطالبي

مفارقة سياسية صارخة، بل تناقض دبلوماسي مكشوف، أن تطالب إسبانيا بريطانيا باسترجاع جبل طارق استنادا إلى التاريخ والجغرافيا والسيادة والوحدة الترابية، لكنها ترفض المنطق نفسه عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية المحتلتين.

بالأمس، اختار الملك الإسباني فيليبي السادس، خلال زيارته الاستفزازية لسبتة المغربية “المحتلة“، أن يؤكد أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من إسبانيا، وأن السيادة عليهما غير قابلة للتفاوض، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن حدودهما هي حدود الاتحاد الأوروبي، وأن أي تهديد لهما هو تهديد لأوروبا بأكملها.

فهل التاريخ والجغرافيا صالحان للاستدلال بهما في جبل طارق، ويسقط مفعولهما فجأة عند الوصول إلى سبتة ومليلية؟ وهل تتحول المطالبة بالسيادة إلى حق مشروع عندما تتعلق بإسبانيا، وإلى تهديد للأمن الأوروبي عندما يتعلق الأمر بالمغرب؟

إنه منطق الكيل بمكيالين، وخطاب دبلوماسي ينتقي من التاريخ ما يخدم مصالحه، ويستحضر الجغرافيا عندما تؤيد مطالبه، ويتجاهلها عندما تطرح عليه الأسئلة المحرجة.

ثم منذ متى أصبحت الصفة الأوروبية وسيلة لتحصين الملفات الترابية من النقاش السياسي والتاريخي؟ وهل الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي يمنح إسبانيا حق احتكار مفهوم السيادة وتحديد من يحق له المطالبة بها ومن لا يحق له ذلك؟

المغرب ليس مطالبا بتلقي دروس في السيادة والوحدة الترابية من دولة تتمسك بحجج التاريخ والجغرافيا في جبل طارق، ثم تنكر على جارتها الجنوبية حق الاستناد إلى الحجج نفسها.

السيادة لا تقاس بازدواجية المعايير، والتاريخ لا يعاد تحريره وفق المصالح، والجغرافيا لا تتغير بتغير الحدود السياسية.

أما تحويل سبتة ومليلية إلى قضية أمن أوروبي، فلن يلغي حقيقة أن هناك خلافا تاريخيا وسياسيا قائما بشأن المدينتين، وأن التلويح بأوروبا لا يمكن أن يكون بديلا عن مواجهة هذا الخلاف بالحوار والحجج.

إسبانيا تريد أن تسترجع جبل طارق باسم التاريخ، وتريد أن تحتفظ بسبتة ومليلية باسم الأمر الواقع. ذلك هو التناقض بعينه: ما تعتبره حقا لنفسها، ترفض حتى مناقشته عندما يطالب به غيرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى