الفن في المغرب: القلق خلف الواجهة

يُحبّ الخطاب الرسمي أن يحتفي بما يسمّيه «دينامية» الفن في المغرب. معارض، مؤسسات، وتظاهرات موسومة بصفة «المعاصر»؛ واجهة مضيئة توحي بالحيوية. غير أنّ خلف هذا الظهور المتزايد، يختبئ قلق عميق نادرًا ما يُسمّى باسمه: غياب مشروع فني واضح، متجذّر في سياقه، وقادر على إنتاج معنى.
الإشكال الجوهري لا يكمن في نقص المواهب ولا في شحّ الإمكانات، بل في الخلط المستمر بين الشكل والفكرة. فجزء واسع مما يُقدَّم بوصفه فنًا معاصرًا يكتفي بتبنّي المظاهر الخارجية للفن الغربي—التركيبات، الفيديو، الأداء—من دون استيعاب الأسس الفكرية التي أفرزتها. وقد بيّن آرثر دانتو أن الفن المعاصر لا يُعرَّف بوسائطه، بل بالأسئلة التي يطرحها على العالم وعلى ذاته.
في هذا السياق، صار اللجوء المتكرر إلى مفهوم «التجريب» ستارًا مريحًا. تحوّل المصطلح إلى ذريعة لتبرير الضبابية وغياب الرؤية، بل أحيانًا الفراغ المفاهيمي. فالتجريب لا يكتسب معناه إلا حين يكون فعلًا ضروريًا، منخرطًا في تفكير نقدي، لا مجرد محاكاة لاتجاهات رائجة عالميًا.
وتتفاقم هذه الهشاشة بفعل اختلال بنيوي آخر: غياب نقد فني مستقل فعلًا. إذ غالبًا ما تُصنع الشرعية داخل دوائر ضيّقة تتداخل فيها الأدوار—فنان، قيّم، ناقد، ومروّج—ليتحدّث الجميع بصوت واحد. عندها لا تُقاس قيمة العمل بما ينتجه من معنى، بل بقدرته على الدوران داخل الشبكة المناسبة. هذه الآلية في الشرعنة، التي حلّلها بيير بورديو، تُفرغ الحقل الفني من أي نقاش جمالي حقيقي.
أما العلاقة بالتراث البصري المغربي، فلا تخرج بدورها عن هذا المأزق. فهو يُستدعى تارة في شكل فولكلور مُزيَّن، وتارة أخرى كاقتباس زخرفي سطحي، نادرًا ما يخضع لسؤال نقدي جاد. يتحوّل الماضي إلى مخزون صور، لا إلى مجال تفكير. وقد نبّه فالتر بنيامين إلى مخاطر هذا النزع للسياق، حين تتحوّل الثقافة إلى مادة قابلة للاستهلاك، فاقدة لعمقها التاريخي.
ومع ذلك، سيكون من الظلم إنكار وجود فنانين صادقين وتجارب جادّة. هي موجودة فعلًا، لكنها تظل معزولة، بلا بيئة نقدية قادرة على دعمها، ومساءلتها، وإدراجها ضمن دينامية جماعية. المشكلة إذن ليست فردية، بل بنيوية.
إن أزمة الفن في المغرب هي، في جوهرها، أزمة معنى. أزمة وظيفة الفن داخل المجتمع: هل هو فضاء للسؤال والمعرفة وخلخلة الواقع؟ أم مجرد واجهة ثقافية منسجمة مع انتظارات السوق والمؤسسات؟ ما لم يُطرح هذا السؤال بوضوح، سيظل المشهد الفني يُنتج أشكالًا مرئية، لكنها نادرًا ما تكون ضرورية.
بقلم | محمد الجعماطي
رسام مغربي



