كيف تتعلم الديمقراطية في يومين..

لم يكن اختياري للعنوان اعتباطي أو مجازي أو استفزازي ، بل فرضته علي الأجواء التي مر بها المؤتمر الوطني الثامن للنقابة الوطنية للصحافة المغربية الذي احتضنته عاصمة النخيل الأسبوع الماضي، كنت من أشد المنتقدين لأداء النقابة الأكثر تمثيلية للصحفيين بالمغرب، من خلال تدوينات مازالت موجودة على صفحتي الفايسبوكية الى الآن، كنت مخطئا في احداها ومجانبا للخطأ في أخرى، صحيح أن أداء النقابة منذ تأسيسها لم يرقى لتطلعات رجال الصحافة والإعلام بالمغرب، ولا أدلّ على ذلك الأوضاع الاجتماعية والمهنية والمادية الصعبة التي يعيشها اغلب الصحفيين ببلادنا، ناهيك عن القوانين الزجرية التي قيدت الأقلام الحرة وزجت بهم في السجون، وكل هذه التراكمات ساهمت في احتلال الإعلام المغربي لمراتب متدنية على سلم حريات التعبير وزادت من تأزيم وضعية القطاع، ولا ينكر احد أن النقابة تتحمل مسؤوليتها فيما آلى اليه القطاع في المغرب، كما لا يبخس إلا جاحد ما قدمته النقابة للإعلام طيلة سنوات خلت، ويكفي أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية ساهمت الى حدًّ كبير في سحب قطاع الإعلام من تحت بساط أمّ الوزارات في عهد وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، كما أن نضالات وتضحيات النقابة لم تذهب سُدى وتوجت بقانون 88/13 الذي يلغي كل العقوبات السالبة للحرية بالنسبة للقضايا المتعلقة بالصحافة والنشر، كما أن ميلاد المجلس الوطني للصحافة الذي ستوكل له مهمة تدبير قطاع الصحافة والنشر بكل استقلالية، شكل انتصارا حقيقيا لرجال ونساء مهنة المتاعب.

حتى لا أغوص أكثر في السياق التاريخي المتسلسل للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، أعرج بالقارئ الكريم الى الأجواء والكواليس التي صاحبت أشغال المؤتمر الوطني الثامن للنقابة الوطنية للصحافة المغربية الذي أقيم نهاية الأسبوع الماضي بمراكش الحمراء، والذي كان لي شرف المشاركة فيه ممثلا عن فرع طنجة، بصِدق حللت بالمؤتمر وأنا شبه متيقن أن المؤتمر شكلي وصوري وأن حضورنا فيه كان من أجل المشاركة في مسرحية محبوكة الإخراج مسبقا، ولكن بعد مشاركتي في الجلسة الإفتتاحية تبين لي أنه من الصعب التحكم في أزيد من 400 مؤتمر ومؤتمرة وتوجيههم للتصويت لذاك المرشح أو تلك المرشحة، وما عزز هذا الطرح هو التدافع وحدة النقاش والأجواء المشحونة التي مرّ بها المؤتمر وصلت لحد التلاسن في بعض الأحيان ليس فقط داخل قاعة المؤتمر بل حتى في القاعات المجاورة عند اجتماع مكاتب الفروع، بل حتى طريقة الإقتراع أو الانتخاب أو الترشح لهياكل النقابة التي دفعت بعضم للإحتجاج، تفند كل من طعن في عذرية هذا المؤتمر أو شفافيته، وكل من يتهم النقابة بتهجين رجال ونساء الصحافة في المغرب فهذا اتهام مجاني وصبياني وقدحي في حق الصحفيين والصحافيات بل سٌبّة في حق صاحبة الجلالة.

مباشرة بعد اختتام مؤتمر النقابة خرج بعض الصحفيين والصحفيات بتدوينات فايسبوكية ينتقدون فيها طريقة انتخاب رئيس النقابة وهياكلها، وهذا يصب في خانة الرأي والرأي الأخر، وهو أمر طبيعي ومحمود في كل الديمقراطيات، إلا أنه لا يجب أن يمر مرور الكرام حتى نعطي لكل حق حقه وعملا بمبدأ “إن سكتت عن الحق فلا تصفق للباطل”، فقد شبه البعض رئاسة النقابة برياضة البينغ بونغ في اشارة الى تناوب عبد الله البقالي ويونس مجاهد على قيادة سفينة النقابة لعقود من الزمن، ومنهم من طالب بتعديل القانون الأساسي وبانتخاب الرئيس مباشرة من المؤتمر بدل من توكيل هذه المهمة للمجلس الوطني الفيدرالي الذي هو بمثابة برلمان النقابة، الغريب في الأمر أن هؤلاء الزملاء والزميلات الذين طعنوا في هذا المؤتمر واتهموا النقابة بالكولسة، فهم ينتقصون من قيمة المؤتمرين بطريقة غير مباشرة، عبد الله البقالي لم يفرض نفسه على المؤتمرين لانتخابه، كان بالإمكان أي زميلة أو زميلة ممن تتوفر فيهم شروط الترشح، التقدم لمنافسة عبد الله البقالي واللجوء الى التصويت، ومن يحصل على اعلى عدد من الأصوات يصير رئيسا للنقابة بقوة القانون، فبالتالي لا داعي للصيد في الماء العكر، البقالي نال بالإجماع أصوات أعضاء المجلس الوطني الفيدرالي وهذا بحد ذاته يخرس كل الألسنة التي تتحين الفرص للنقذ من أجل النقذ فقط، ويكفي للنقابة أنها أعطت دروسا في علم الديمقراطية لكل الإطارات والتنظيمات والنقابات والأحزاب السياسية في هذا الباب، ويكفي للنقابة أن صناديق الإقتراع الزجاجية التي وضعت في المنصة أمام أعين كل المؤتمرين كانت خير جواب على كل من طعن في شفافية المؤتمر، بعضهم بعدما لم ينالوا ثقة المجلس الوطني الفيدرالي في الظفر بمنصب نائب رئيس النقابة، خرجوا بتدوينات يهاجمون فيها النقابة والمؤتمر متناسين أن التاريخ يعيد نفسه وفي الأمس القريب كانوا يشاركون في تسيير هذه النقابة.

وعلاوة على كل هذا، يجدر التذكير بأن أشغال اليوم الثاني للمؤتمر استمرت لأكثر من 19 ساعة وهذا وحده يشفع للنقابة ويدل على شفافية ونزاهة هذا المؤتمر، ولا أجد مانعا من أن أكشف أن اختيار ممثلي فرع طنجة في المجلس الوطني الفيدرالي عرف احتداما قويا ونقاشا ساخنا، وهذا ردّ على المشككين في قناعاتنا والمتهمين للنقابة بالكولسة، ويا ليت كل النقابات والتنظيمات والأحزاب تكولس على طريقة النقابة الوطنية للصحافة المغربية.

من ديمقراطية المؤتمر الوطني الثامن أن كل اختلاف بين رئاسة المؤتمر والمؤتمرين يتم الاحتكام فيه الى التصويت والصناديق الزجاجية، وهذا يفند ادعاءات البعض بأن النقابة مارست الشطط على المؤتمرين.

لقد شكل المؤتمر الوطني الثامن للنقابة الوطنية للصحافة المغربية محطة مهمة في تاريخ المهنة، نظرا للتطور الذي شهده القطاع على المستوى التشريعي أو التنظيمي في السنوات الأخيرة، وصارت ديمقراطية النقابة تحرج البعض أو الكثير إن صحّ التعبير، وبعد نجاح المؤتمر صار مطلوبا من النقابة الوطنية للصحافة المغربية أن تقوم بإصدار كتيب عنوانه: “كيف تتعلم الديمقراطية في يومين” على غرار كتيبات تعليم السياقة واللغات والطبخ..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق