نجاح مغربي في مواجهة ذهنيات مأزومة!

بقلم | ياسين البقالي

لم يكن ما قام به المغرب حين احتضن كأس أمم إفريقيا مجرد تنظيم لبطولة كروية، بل كان اختبارا صريحا لعلاقة القارة الإفريقية بالنجاح حين يأتي من داخلها. فقد اختار المغرب أن يرفع السقف عاليا، وأن يقدم نموذجا احترافيا يؤمن بأن الرياضة ليست مجرد مباريات، بل صورة، وكرامة، ورسالة حضارية. غير أن النتيجة كشفت مفارقة مؤلمة: ليس الجميع مستعدا للتصالح مع التفوق، حتى وإن كان إفريقيا خالصا.

حين توفر ملاعب بمعايير دولية، وتنقلات منظمة، وإقامة تليق باللاعبين والجماهير، يفترض أن يتحول الحدث إلى فرصة للتعلم والارتقاء. لكن ما حدث مع بعض الأصوات داخل القارة كان العكس تماما. فبدل الانشغال بكيفية نقل التجربة وتطوير الذات، جرى البحث المحموم عن تفاصيل هامشية لتشويه الصورة، وكأن النجاح ذاته بات تهمة تحتاج إلى تفنيد.

هذا السلوك لا يعكس خللا في التنظيم، بل يفضح أزمة أعمق في الذهنيات، فهناك من تعايش طويلا مع الرداءة حتى صارت جزءا من المألوف، وحين يظهر نموذج مختلف، لا يستقبل بالإعجاب، بل بالريبة والعداء، يصبح التفوق مرآة قاسية، تكشف التقصير، وتعري أعذار الفشل المتراكمة، فيتحول الدفاع إلى هجوم، والنقد إلى تشويه.

الأكثر إثارة للأسف أن هذا المنطق لم يقتصر على جماهير غاضبة أو تعليقات عابرة، بل انسحب على منابر إعلامية كان يفترض أن تكون أكثر اتزانا، أصوات فضلت الانخراط في جلد تجربة ناجحة بدل مساءلة واقعها الرياضي المتعثر، فغابت الموضوعية، وحضرت الحسابات الضيقة، وكأن الاعتراف بنجاح المغرب انتقاص من الذات لا إضافة للقارة.

في العمق، يطرح هذا الواقع سؤالا جوهريا حول جدوى الاستمرار في لعب دور “قاطرة” لقارة لا تجيد التعامل مع من يسبقها بخطوة. فالمغرب لم يربح شيئا رمزيا فقط، بل أنفق بسخاء، وسخر مؤسسات الدولة، وفتح فضاءه التنظيمي والبشري من أجل صورة إفريقية مشرقة. ومع ذلك، وجد نفسه في مواجهة حملات تشكيك لا تخدم سوى تكريس الرداءة التي يدعي أصحابها محاربتها.

الرياضة، مثلها مثل أي مشروع جماعي، لا تقوم على النوايا الحسنة وحدها، بل على التقدير المتبادل. وحين يتحول العطاء إلى عبء، والنجاح إلى سبب للهجوم، يصبح من الطبيعي إعادة التفكير في المسار. فليس من المنطقي أن يطالب بلد بإعادة التجربة مرارا، في بيئة لا تكافئ الجودة ولا تحترم الجهد.

المفارقة أن المغرب، في الوقت الذي يتعرض فيه لهذا النوع من الإساءة، يحظى بثقة متزايدة على المستوى الدولي، وينظر إليه كشريك جاد وقادر على احتضان أكبر التظاهرات العالمية. هذا التناقض يبرز بوضوح أن المشكلة ليست في القدرة ولا في الكفاءة، بل في محيط قاري لم يحسم بعد موقفه من معنى النجاح.

ربما لا يحتاج المغرب إلى أن ينسحب أو يعلن القطيعة، لكن من حقه أن يطرح السؤال بصراحة: إلى متى يستمر في منح الأفضل لمن لا يريد إلا الحد الأدنى؟ فالتقدم لا يفرض، والاحتراف لا يمنح بالقوة. ومن لا يحتمل رؤية نموذج ناجح، لن يستفيد منه مهما قدم له.

في النهاية، يظل النجاح المغربي حقيقة قائمة لا يغيرها ضجيج المنتقدين. أما القارة، فستبقى أمام خيار واضح: إما أن تتصالح مع نماذج ترفعها إلى الأعلى، أو أن تظل أسيرة ذهنيات ترى في كل تفوق مرآة مؤلمة تفضل كسرها بدل مواجهة ما تعكسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى