بعد تأجيل زيارة تبون.. الدبلوماسية الجزائرية تلجأ إلى “قراءة الفنجان” لتبرير الصفعة الإسبانية

يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية دخلت من جديد في دوامة البحث عن مبررات للهزائم الخارجية، عقب تأجيل زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى مدريد لأجل غير مسمى، في قرار إسباني أربك حسابات قصر المرادية ووضع الخطاب الرسمي الجزائري أمام اختبار جديد.

فبدل تقديم توضيحات رسمية للرأي العام بشأن أسباب تأجيل الزيارة، سارعت بعض الأصوات المحسوبة على الدبلوماسية الجزائرية السابقة، وفي مقدمتها عمار بلاني، إلى تقديم تفسيرات أقرب إلى قراءة الفنجان منها إلى التحليل الدبلوماسي، عبر نسج سيناريوهات تربط القرار الإسباني بعوامل خارجية، من بينها تخوف مدريد من رد فعل الرباط على خلفية زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، أو وجود ضغوط فرنسية بسبب التقارب الإسباني الجزائري.

غير أن هذه التبريرات تطرح سؤالا بسيطا: إذا كانت الجزائر تملك كل هذا النفوذ الذي تتحدث عنه، فلماذا وجدت نفسها عاجزة عن تفسير قرار شريك أوروبي يفترض أنه بات قريبا منها؟

فالخطاب الجزائري الذي دأب على تقديم نفسه باعتباره لاعبا إقليميا لا يمكن تجاوزه، يصطدم مرة أخرى بواقع دبلوماسي مختلف تماما. وبينما كانت الجزائر تراهن على توسيع هامش تحركها داخل العواصم الأوروبية وتقديم علاقاتها مع مدريد وباريس باعتبارها أوراقا استراتيجية، جاءت التطورات الأخيرة لتكشف محدودية هذا النفوذ عندما تتعارض المصالح الفعلية للدول مع الحسابات الجزائرية.

وتزداد المفارقة وضوحا أمام استمرار إسبانيا في الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع المغرب، رغم محاولات الجزائر توظيف ملفات الطاقة والغاز والعلاقات الثنائية للضغط على مدريد أو إعادة توجيه مواقفها.

ولم تتوقف المفارقات عند هذا الحد، إذ أعاد ملف المعارض الجزائري أيوب عيسيو طرح سؤال آخر حول حدود قدرة الجزائر على التأثير في القرارات الإسبانية، بعدما انتهت المسطرة القضائية إلى موقف لم ينسجم مع الرغبات الجزائرية.

وهكذا، تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها أمام مشهد يصعب تبريره بالخطاب التقليدي نفسه: كلما تعثرت خطوة خارجية، جرى البحث عن مؤامرة جديدة، وكلما اتخذت عاصمة أوروبية قرارا لا ينسجم مع حسابات الجزائر، ظهرت رواية عن ضغوط مغربية أو فرنسية أو حسابات جيوسياسية خفية.

المفارقة أن هذا الخطاب يأتي في وقت تحاول فيه الجزائر تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية وازنة وصاحبة نفوذ واسع في إفريقيا والمتوسط. غير أن سلسلة من الملفات الأخيرة تطرح تساؤلات محرجة حول الفارق بين الصورة التي تسوقها الدعاية الرسمية وبين حجم التأثير الفعلي للجزائر لدى شركائها.

وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن أزمة الدبلوماسية الجزائرية لم تعد تقتصر على خسارة بعض المعارك السياسية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بطريقة التعامل مع هذه الانتكاسات. فبدل مراجعة الحسابات والبحث عن أسباب الإخفاق، يجري في كل مرة إنتاج رواية جديدة عن المؤامرات والدسائس، وكأن المشكلة دائما في الآخرين وليست في خيارات الجزائر نفسها.

وبينما تتوالى الأسئلة حول مصير زيارة تبون إلى مدريد وأسباب تأجيلها، يبقى المؤكد أن الخطاب القائم على تضخيم النفوذ والاحتماء بنظريات المؤامرة لن يغير كثيرا من حقيقة المشهد: الدبلوماسية تُقاس بما تحققه على أرض الواقع، لا بما تقوله البيانات ولا بما ترسمه قراءات الفنجان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى