خبير: دعم الزواج بـ5000 درهم إجراء رمزي والمغرب يواجه تحديات ديمغرافية مقلقة

أثار تراجع معدلات الزواج والخصوبة في المغرب نقاشا حول مستقبل التركيبة السكانية وتداعيات التحولات الديمغرافية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وتزايد الصعوبات التي تواجه الشباب الراغبين في تأسيس أسر.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، رشيد الساري، أن الدعم الحكومي المقترح بقيمة 5000 درهم لفائدة المقبلين على الزواج، يظل إجراء رمزيا ولا يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجه الشباب، ولا يمكنه بمفرده معالجة أسباب العزوف عن الزواج.
وأوضح الساري، في تصريح لـ”العمق”، أن المبلغ المخصص لا يكفي لتغطية سوى جزء محدود من المصاريف المرتبطة ببداية الحياة الزوجية، بالنظر إلى التكاليف التي يفرضها الواقع المعيشي والعادات الاجتماعية، معتبرا أن هذه المبادرة تعكس، في الوقت نفسه، وجود إشكالات حقيقية مرتبطة بتراجع الإقبال على الزواج وتكوين الأسر.
وأضاف المتحدث أن معطيات سنة 2024 كشفت عن تحولات ديمغرافية تستدعي الانتباه، في مقدمتها تراجع معدلات لخصوبة والزواج، وهو ما يجعل تشجيع الشباب على تكوين الأسر موضوعا يتجاوز التدابير الاجتماعية المحدودة، ليطرح أسئلة أوسع بشأن مستقبل النمو السكاني في المغرب.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن تحسين فرص الزواج يقتضي معالجة الإكراهات الاقتصادية التي تواجه الشباب، خصوصا ارتفاع أسعار السكن وتكاليف الكراء، إلى جانب غلاء المعيشة. واقترح، في هذا الإطار، توفير قروض ميسرة دون فوائد للمقبلين على الزواج، وإقرار آليات لمساعدتهم على اقتناء السكن أو تحمل تكاليف استئجاره، فضلا عن منح تخفيضات ضريبية للمتزوجين حديثا لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
وفي ما يتعلق بالتداعيات المستقبلية، حذر الساري من تسارع شيخوخة المجتمع المغربي قبل بلوغ مستويات مماثلة من الثروة والرفاه الاقتصادي، معتبرا أن هذا المسار قد يفاقم الضغوط على المالية العمومية والقطاع الصحي وأنظمة التقاعد، في ظل ارتفاع الحاجيات المرتبطة برعاية المسنين.
وقارن المتحدث الوضع المغربي بعدد من الدول الأوروبية التي تواجه بدورها تحديات الشيخوخة، مشيرا إلى أن هذه الدول تتوفر، في الغالب، على إمكانات اقتصادية أكبر، كما تستعين باليد العاملة الأجنبية للمساهمة في تلبية حاجيات سوق الشغل. واعتبر أن اقتران ارتفاع نسبة المسنين بمحدودية الموارد الاقتصادية قد يجعل تدبير هذه التحولات أكثر صعوبة بالنسبة للمغرب.
كما ربط الساري استمرار التراجع الديمغرافي بالتغيرات المحتملة في التركيبة المجتمعية خلال العقود المقبلة، في ظل تزايد حضور المهاجرين، خصوصا القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وتوقع أن يساهم ذلك في تنامي التنوع داخل المجتمع المغربي بحلول سنة 2050، متحدثا عن انعكاسات محتملة على المشهد السياسي مستقبلا، بما في ذلك إمكانية وصول أشخاص من أصول مهاجرة إلى مواقع المسؤولية والتمثيل البرلماني.
وختم الساري بالتأكيد على أهمية إخضاع التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب لدراسات معمقة تجمع بين المقاربات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية، من أجل فهم أسباب تراجع الزواج والخصوبة واستشراف انعكاساتهما على المدى البعيد، بما يساعد على بلورة سياسات عمومية أكثر فعالية في دعم الشباب وتيسير تأسيس الأسر.



