هل يكسر المغرب “قواعد البحار” لفرض رسوم في مضيق جبل طارق؟

كتبه | ذ. عصام الطالبي

يعاد طرح سؤال جريء في كل مرة تتصاعد فيها التوترات البحرية عالميا: ماذا لو قرر المغرب، ومعه إسبانيا وبريطانيا، كسر القواعد الدولية وفرض رسوم عبور على السفن في مضيق جبل طارق؟ هل نحن أمام فرصة مالية ضائعة بمليارات الدولارات، أم أمام مغامرة قد تشعل أزمة دولية غير محسوبة العواقب؟

المعطيات على الأرض مغرية للغاية، مضيق جبل طارق، الذي لا يتجاوز عرضه حوالي 13 كيلومترا في أضيق نقطة، يعد أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، إذ تعبره يوميا حسب تقارير رسمية متطابقة ما بين 250 و300 سفينة، تربط بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، هذا الحجم الهائل من الحركة يعني، نظريا، أن فرض رسم بسيط على المرور قد يدرّ عائدات بمليارات الدولارات سنويا، بل إن بعض الطروحات الحالمة تذهب أبعد من ذلك، متخيلة سيناريو “مليون دولار لكل سفينة”، ما قد يعني أرقاما فلكية تتجاوز 100 مليار دولار سنويا للدول المتشاطئة.

لكن هذا الطرح يصطدم مباشرة بجدار القانون الدولي، وتحديدا اتفاقية United Nations Convention on the Law of the Sea، التي تلزم الدول المطلة على المضايق الدولية بضمان ما يسمى بـ”المرور العابر”، أي حرية الملاحة دون فرض رسوم أو عوائق، طالما أن السفن تحترم القوانين البحرية. والمغرب، إلى جانب إسبانيا وبريطانيا، من الدول الموقعة والملتزمة بهذه الاتفاقية، ما يجعل أي محاولة لفرض رسوم خرقا صريحا لقواعد دولية مستقرة.

فماذا لو قرر المغرب الانسحاب أو التنصل؟، نظريا، يمكن لأي دولة الانسحاب من اتفاقية دولية، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. حتى في حال الانسحاب من اتفاقية UNCLOS، فإن مبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية يُعتبر اليوم جزءا من “العرف الدولي”، أي أنه ملزم حتى للدول غير الموقعة. بمعنى آخر، الانسحاب لن يمنح المغرب الضوء الأخضر لفرض رسوم، بل قد يضعه في مواجهة مباشرة مع قوى بحرية كبرى.

والأخطر من ذلك، أن أي خطوة أحادية في هذا الاتجاه قد تفسر كتهديد لحرية التجارة العالمية، ما قد يدفع دولا كبرى إلى اتخاذ إجراءات مضادة، دبلوماسية أو حتى اقتصادية، وربما تصعيدية، خاصة أن المضيق لا يهم فقط الدول الثلاث، بل الاقتصاد العالمي برمته.

هل هناك حلول واقعية لاقتناص “مليارات المضيق”؟، رغم استحالة فرض “ضريبة عبور” مباشرة، فإن هناك بدائل ذكية يمكن أن تحقق عائدات كبيرة دون خرق القانون الدولي، منها:

تعزيز الخدمات المينائية: تطوير موانئ مثل طنجة المتوسط لجذب السفن للتوقف والتزود بالخدمات (وقود، صيانة، تموين)، بدل الاكتفاء بالمرور.

فرض رسوم غير مباشرة: كرسوم الإرشاد البحري أو خدمات السلامة، بشرط أن تكون مقابل خدمات فعلية وليست عبورا مجردا.

الاستثمار في اللوجستيك البحري: تحويل المضيق إلى مركز عالمي لإعادة الشحن والتوزيع.

التنسيق الإقليمي: أي تفكير في رسوم أو تنظيم جديد يجب أن يكون بتوافق ثلاثي بين المغرب وإسبانيا وبريطانيا، وليس بقرار أحادي.

ختام نقول، أن فكرة “ضريبة المليون دولار” قد تبدو مغرية على الورق، لكنها في الواقع تصطدم بقواعد قانونية دولية راسخة وتوازنات جيوسياسية معقدة. مضيق جبل طارق ليس مجرد ممر مائي، بل عقدة استراتيجية للاقتصاد العالمي، وأي محاولة لتغيير قواعد اللعب فيه قد تكون كلفتها أكبر بكثير من عائداتها.

فالرهان الحقيقي ليس في فرض رسوم على المرور، بل في تحويل هذا المرور الهائل إلى قيمة مضافة اقتصادية، بطريقة ذكية تحترم القانون وتستثمر الموقع، دون الدخول في مغامرات قد تعزل المغرب بدل أن تغنيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى