د. جبرون يكتب : لا إسلام بدون حرية..

 

الإسلام والحرية“، هل الإسلام في أصله دين الحرية، ويشجع على التحرر، ولا يقبل بين أتباعه إلا من كان حرا، مالكا لقراره، مالكا لعقله، مسؤولا عن اختياراته، أم العكس أن الإسلام دين يصادر الحرية، ولا يعترف بها لا لأتباعه ولا لغيرهم، بمعنى آخر هل يكون الإسلام دين الإكراه والسيطرة والسلطان؟ هل نستطيع القول كما قال البعض عن المصلحة حيثما كانت الحرية فثما شرع الله؟

ومن الملاحظات الأولى التي تجدر الإشارة إليها في هذا السياق: أن الفكر الإسلامي التقليدي لم يعتن بموضوع الحرية عناية واضحة، وتناولها في كثير من الأحيان في علاقتها بالرّق والعبودية، أو كقضية ميتافيزيقية-عمودية تهم علاقة العبد بربه سبحانه وتعالى، مثل ما فعل المعتزلة في حديثهم عن حرية العبد، ومثل ما فعل غيرهم ممن خالفهم، ومن ثم غفل المسلمون في هذا الجانب عن بحث الحرية في المجال الأفقي الذي هو مجال الاجتماعيات والسياسيات والإنسانيات عموما، الشيء الذي أضر بتصور المسلمين لها في الماضي، وجعله قاصرا ومحدودا.

وسنحاول فيما يلي تقديم رأي في الحرية باعتبارها شأنا إنسانيا واجتماعيا تَرميما لهذا الفراغ الكبير الذي تركه المتقدمون، وذلك انطلاقا من القرآن وآياته:

لقد حرص وأصر القرآن من خلال آيات كثيرة على مخاطبة الإنسان وعَرضِ الرسالة عليه باعتباره إنسانا حرا، له كامل الحق في الاختيار، له الحق في القبول والرفض… ولم يكن حرص القرآن وإصراره على ممارسة الإنسان لحريته وتحمله لمسؤولياته مجرد اتفاق، أو أسلوبا من أساليب الخطاب الخالية من المعنى والدلالة، بل على العكس من ذلك كشف هذا الخطاب وهذا التصميم القرآني على معاملة الإنسان ككيان حُرّ، ومستقل، كشف وبشكل واضح وصريح عن الطبيعة الفطرية التي فطر الله الإنسان عليها، كشف عن المعاني الجبلية للإنسان من منظور القرآن، التي تمّ تجاهلها، والتي لا يسعد الإنسان ولا يطمئن بعيدا عنها، فالقفز عن طبيعة الإنسان وفطرته لا يجلب له في النهاية سوى الشقاء والعناء، ولهذا كان القرآن من هذه الناحية صريحا وواضحا، حيث عمل على إحياء الفطرة، وحفز الإنسان على التطابق معها أي حفزه على ممارسة حقوقه الفطرية ومنها حق الحرية كما سنرى.

إن الحرية في علاقتها بالإنسان، ومن منظور الإسلام، وانطلاقا من القرآن الكريم من عناوين الفطرة السليمة، التي فطر الله الناس عليها، فلا إنسانية بدون حرية، ولا حرية بدون إنسانية. ومن هذه النسبة تستمد الحرية مدلولها الأخلاقي، ذلك أن الإنسان بسبب ما عرض لفطرته من انحراف وتشويه مع توالي العصور أمسى في غفلة عن هذه الخاصية الفطرية، وغير قادر على العيش بها إلى أن جاء القرآن وهديُه، الذي وضع الإنسان أمام حقيقته الفطرية، وطالبه بتفعيلها.

فمحنة الإنسان مع الحرية، وافتقاد الكثير من بني البشر لحريتهم، في إطار حضارات وثقافات، لم يكن – أبدا – مقتضى من مقتضيات الفطرة، بل كان تشويها لها، فالإنسان الفاقد للحرية بالعبودية وغيرها من الأسباب يعاني من فقر فضيع في الإنسانية التي بها استحق الوجود.

إن الحرية من تمام وكمال إنسانية الإنسان، فلا وجود لمعنى الإنسان في الشخص أو الكائن الذي لا يملك حق الاختيار، لا وجود لمعنى الإنسان لمن لا يملك حق التصرف، لمن لا يملك حق اختيار العقيدة أو الاعتقاد.. إلخ، بحيث تتحقق إنسانيته وتنمو بقدر تحققه من هذه الحقوق، واكتسابه لهذه الحريات، وعلى العكس من ذلك تضمر وتختفي هذه الإنسانية بتخلي الإنسان عن ممارسة هذه الحقوق وتنازله عنها طوعا أو كرها.

إن الدليل على كون الحرية إنسانية والإنسانية حرية،ليس دليلا سوسيولوجيا وتاريخيا وحسب، تجلِّيه تصرفات الأشخاص وممارساتهم، بل هو – وبالإضافة إلى ذلك – دليلا قرآنيا، يتجلى وبصورة واضحة في مفهوم الإنسان في القرآن، والأسلوب الذي خاطب به الله عز وجل الإنسان، حيث اعترف له بالحق في ممارسة مشيئته، وألح عليه في ذلك، وخاطبه في حالات كثيرة ترغيبا وترهيبا باعتباره قادرا على الاختيار ومسؤولا عنه. فالإنسان في منظور القرآن إما أن يكون حرا أو لا يكون أصلا.

إن نزوع الإنسان إلى الحرية، وشوقه إليها، هو نزوع فطري، مرتبط بجبلة الإنسان، وجميلِ صنعه تعالى، ومن ثم كان القرآن باعتباره كلام الله ورسالته للإنسان مراعيا لهذه الفطرة، ومحترما لها. فالخالق عز وجل خاطب خلقه بحسب ما هم عليه فطريا، وبحسب مقتضى الخِلقة التي خلقهم عليها. ونعني بالخلقة في هذا المقام ليس الصورة الظاهرية بل الصورة الباطنية أي الأخلاقية.

إن الحرية بهذا المعنى، وكقيمة قرآنية، يختلف وضعها عن كثير من قيم الإسلام، فهي لا توجد نصا، وطلبا مباشرا، يَطْلُب من الإنسان المسلم التحلِّي بقيمة الحرية والتخلي عن نقيضها، كما هو الشأن مع قيمة العدل، والصدق، وغيرها من القيم، بل توجد – من جهة – مقدمةً وشرطا قبليا لكثير من مطالب القرآن وأحكامه الحيوية المتعلقة بالإيمان والمعاملات والعبادات، وتوجد – من جهة ثانية – سببا وراء نقد القرآن وإدانته لأشكال التسلط والعدوان، والاستعباد والاستبداد.. التي مارسها بعض الإنسان على بعض، والتي عرض لها في بعض المناسبات.

ومن الآيات التي يتوقف مقتضاها العملي والأخلاقي على شرط الحرية، وتدعو المسلم وغير المسلم بطريق غير مباشر لممارستها كثيرة، ومتنوعة، ومنها قوله تعالى:

– ﴿وقُل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾؛[1]

– ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾؛[2]

– ﴿وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾؛[3]

– ﴿من كفر فعليه كفره، ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون﴾؛[4]

– ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره، إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا﴾؛[5]

– ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم﴾؛[6]

– ﴿إنّا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنما يضلُّ عليها، وما أنت عليهم بوكيل﴾؛[7]

– ﴿نحن أعلم بما يقولون، وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾؛[8]

– ﴿فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر﴾.[9]

إن هذه الآيات وغيرها مما لم نذكر، وهو كثير، جاءت مخاطبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وحاثة له على التزام دوره في البلاغ والدعوة، والابتعاد عن أي شكل من أشكال الإلزام والإكراه في الإيمان، فالناسُ أحرارٌ فيما يعتقدون، وكل أساليب الإكراه، والوصاية (الوكالة)، والإجبار، والسيطرة.. في هذا المجال أساليب منكرة، وغير أخلاقية، يرفضها الإسلام رفضا قاطعا. وكأنني بالقرآن في هذه الآيات يحس بنزوع وميل الرسول وأتباعه إلى الإكراه والإلزام، فيأتي الخطاب من الله واضحا ومحذرا ومنبها إلى ضرورة احترام الحرية في الاعتقاد والحرية في الاختيار، وأن الله عز وجل هو المعني أولا وأخيرا بحساب الناس على عقيدتهم، وشأنُها يعود إليه..

وإذا كانت الآيات السالفة جاءت عامة، تتناول مسألة الإيمان والكفر، فإنها في الحقيقة تنطبق على سائر مقتضيات الإيمان، وسائر الفرائض الشرعية، فكلها تتوقف صحتها وثمرتها الأخلاقية على التحقق من شرط الحرية، فلا أجر ولا ثواب لمن لا يتحلى بالإيمان ومقتضياته الشعائرية والمعاملاتية حرا طائعا، فأي إيمان مع الإكراه؟ وأي التزام مع الخوف والتسلط؟..

ويشير حرص القرآن وإلحاحه على احترام حرية الآخرين في اختيار معتقداتهم وتحريم أساليب الإكراه إلى حقيقة فطرية أخرى تميز الإنسان بها، وهي نزوعه إلى التسلط والسيطرة على أخيه الإنسان إذا ما أتيح له ذلك، وميله إلى فرض ما يعتقده على الغير بالقوة، ومن ثم كان حرص القرآن شديدا على كبح جماح هذا النزوع وتحذير الرسول (ص) وكافة المؤمنين منه.

فالإنسان بطبعه وفطرته يميل إلى الإكراه والاستبداد والتسلط…، ولهذا كان القرآن شديدا ومحذرا من هذه الآفة، وتبرأ منها في آيات كثيرة..

وهكذا، إن الدلالة الأخلاقية لخطاب القرآن حول الحرية تتجلى من جهة في كونها أي الحرية شرطا حيويا ورئيسا في الإسلام، فلا يصح إيمان الفرد، ولا يتم إن لم يكن اختيارا حرا، وعن قناعة، وبعيدا عن الإكراه، وهو ما جعل القرآن محرضا على ممارسة الحرية وداعيا إليها؛ وتتجلى من جهة ثانية في معارضة القرآن وإدانته كل نزوع إلى التسلط والإكراه، فلا دين ولا إيمان مع الجبر والإكراه، ومن ثم فمن الظواهر الدينية السلبية والخطيرة التي تتفشى في أجواء الإكراه والخوف ظاهرة النفاق، حيث يُظهر الناس خلاف ما يبطنونه خوفا من السلطة بأنواعها المختلفة وخاصة سلطة المجتمع، خوفا من الإكراه بأشكاله.. وهذه أمور سيئة وغاية في السوء من الناحية الدينية.

وتتجلى قيمة الحرية في القرآن أيضا، وتكشف عن روحها الأخلاقي في عدد من قصص الأنبياء والرسل الذين سبقوا محمد عليه الصلاة والسلام، حيث كانت المعركة الرئيسة بينهم وبين مخالفيهم حول الحق في حرية الاعتقاد، وجلُّ الأذى – تقريبا –  الذي أصابهم وأتباعهم كان بسبب عدم تقبل أقوامهم لمعتقداتهم الجديدة، وتعصبهم، وتدل على ذلك شواهد كثيرة من القرآن، ففي قصة موسى عليه السلام مع الفرعون، قال السحرة بعدما آمنوا برب موسى، وتوعدهم الفرعون بالقطع والصلب، ﴿وما تنقم منّا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين﴾.[10] بمعنى أن المشكلة في كون السحرة اختاروا أن يخالفوا عقيدة قومهم، عقيدة الفرعون دون إذنه، ولهذا استحقوا العذاب. ولم يكن هذا الموقف – أي موقف إنكار إيمان السحرة برب موسى- خاصا بفرعون بل كانت تشاركه فيه بطانته، وخاصة قومه، مما يشير إلى أن الإكراه العقدي كان عادة مستحكمة، وتقليدا راسخا في الحضارات القديمة قبل الإسلام. قال تعالى: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومَه ليفسدوا في الأرض ويَذَرَكَ وآلهتك، قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾.[11] فالتعدد العقدي كان أمرا مرفوضا ومنكرا في هذا الزمان، ويعتبر في عرفهم ضربا من ضروب الفساد الذي يجب قطعه.

ومن قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، قال تعالى: ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أفِّ لَّكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون. قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين﴾.[12] فما لقاه إبراهيم عليه السلام كان بسبب خروجه عن دين قومه، وطعنه في آلهتهم.

ومن قصة أصحاب الأخدود، قال تعالى: ﴿قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحميد﴾.[13] فما أصابهم من عذاب كان فقط بسبب مخالفتهم لعقيدة قومهم وخروجهم عن “الديانة الرسمية”.

وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر الرواة عددا من الوقائع الدالة على حرص الرسول على حرية الاختيار، وابتعاده عن كل أشكال الإكراه في الدين، ومما يحسن ذكره في هذا السياق، أن الأنصار وبحكم معاشرتهم ومجاورتهم لليهود بالمدينة تهود عدد من أبنائهم قبل مجيء الإسلام، واعتنقوا اليهودية، لكن بعد ظهور الإسلام بينهم، ودخولهم في الدين المحمدي، حاول هؤلاء الأنصار إكراه أبنائهم على الدخول في الدين الجديد والرجوع عن اليهودية فمنعهم رسول الله (ص) من ذلك، ويذكر البعض أن هذه الواقعة كانت سبب نزول قوله تعالى «لا إكراه في الدين» (البقرة، 256).

والجدير بالذكر أن هذا النهج التحرري الذي نهجه الإسلام، لم يكن تكتيكا مرحليا اقتضاه الضعف، ولم يتغير بين مكة والمدينة، بل استمر حتى في طور القوة بالمدينة، حيث راهن الرسول ومن معه على الحوار والجدل بالتي هي أحسن لكل الذين يخالفونهم في العقيدة، وسعوا إلى استمالتهم بالحجة والدليل، ومن الأدلة على ذلك الآيات التي نزلت بالمدينة كقوله تعالى: «وآمنوا بما أَنزلتُ مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به» (البقرة، 40)، وقوله سبحانه: «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين» (البقرة، 46)

والأهم من هذا كله، أن هذا الخلاف العقدي لم يكن مانعا من التعايش بين المسلمين وغيرهم، بدليل شواهد تاريخية وأخرى نصية أجازت لهم التزاوج، والاختلاط، والاشتراك في الطعام، ومن هذه الشواهد قوله تعالى: «اليوم أُحلَّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم وطعامكم حلّ لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان» (المائدة، 6).

ومن ثمّ؛ فالإسلام من هذه الناحية يعتبر ثورة ثقافية ودينية بكل المقاييس، ففي الوقت الذي كانت الحضارات والديانات القديمة تمنع أهلها وأتباعها من حق الاختيار في الإيمان، وتكرههم على عقيدة الجماعة، وتسلط العذاب على كل من تسول له نفسه الخروج عن دين الأمة، ففي هذه الظروف نزل الإسلام، وجاءت العديد من آياته وأوامره للرسول والأمة من بعده تحذرهم من الإكراه، والتسلط، ولا تعترف فقط سوى بالإيمان الحر، الإيمان الذي يملك صاحبه حق الاختيار في أن يكون مومنا أو كافرا، وماذا يفعل الله بإيمان المقهورين؟

إن إسلام الفرد وإيمانه من منظور قرآني لا يستقيم إذا لم يتأسس على الحرية، ولا يحقق ثماره الأخلاقية إذا لم يتحلى بها، فممارسة الحرية في هذا المنظور هي ممارسة أخلاقية، عليها يبنى كل شيء في الإسلام، والتنازل عنها هو تنازل عن أصل التكليف والاعتقاد، هو تنازل عن حق فطري، عن حق إنساني.. إلخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق