عودة ساكنة القصر الكبير لديارهم: هل هي قرار إداري أم استحقاق هندسي؟ قراءة في التحديات والالتزامات

بقلم | عادل أربعي (خبير)

بعد موجة الفيضانات الأخيرة التي شهدتها مدينة القصر الكبير، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز مجرد “إعلان استقرار الوضع”: متى وكيف تكون العودة آمنة حقاً؟ إن إعادة الساكنة إلى منازلهم ليست مجرد إجراء إداري، بل هي عملية تقنية معقدة ترتبط باستقرار منظومة هيدروليكية متكاملة تشمل سد وادي المخازن، وادي اللوكوس، والشبكة الحضرية للتصريف.

المنظومة الهيدروليكية: أربعة أركان تتحكم في مصير المدينة
تعتمد سلامة القصر الكبير على توازن دقيق بين أربعة عناصر:

  •  سد وادي المخازن: المنبع والمتحكم في الصبيب.
  • وادي اللوكوس: المجرى الرئيسي الذي يمر بمحاذاة المدينة.
  • الشبكة الحضرية: المسؤولة عن تصريف مياه الأمطار من الأحياء.
  • تأثير المد البحري: الذي قد يعيق عملية التصريف الطبيعي نحو المحيط الأطلسي.

أولاً: التدابير الاستعجالية.. “خارطة طريق” ما قبل العودة

قبل السماح بعودة شاملة، يشدد الخبراء التقنيون على ضرورة تنفيذ حزمة من الإجراءات العاجلة لتأمين المدينة ومنع “إعادة الغمر”:

  • تصريف المياه العالقة: تشكل المياه الراكدة خطراً ثلاثياً: صحياً (تراكم الجراثيم)، إنشائياً (تهديد أساسات المباني)، وهيدروليكياً (في حال هطول أمطار جديدة). ويتطلب ذلك نشر مضخات عالية الصبيب واستغلال فترات الجزر البحري لتعظيم فعالية التصريف.
  • تأهيل شبكة التصريف المطري: الفيضان يترك الشبكة مشبعة بالأوحال والرواسب، مما يفقدها طاقتها الاستيعابية. العودة دون تنظيف ميكانيكي واختبار صبيب الشبكة تجعل المدينة عرضة للغرق مع أول زخات مطرية متوسطة.
  • تحصين الضفة اليمنى لوادي اللوكوس: ثبت تقنياً أن نقاط ضعف هذه الضفة كانت هي “الثغرة” التي تسربت منها المياه للمدينة. الحل العاجل يكمن في إنشاء حواجز مؤقتة (Digues provisoires) بارتفاع يصل إلى متر واحد فوق منسوب الفيضان المسجل، مع استخدام أغشية بولي إيثيلين لمنع التسرب.

ثانياً: الحلول الذكية.. منع “الرجوع العكسي” للمياه

من أغرب مفارقات الفيضان الأخير هو تحول شبكة تصريف الأمطار إلى “قناة عكسية”؛ حيث عادت مياه الوادي لتغمر المدينة عبر الأنابيب.

الحل الهندسي المقترح هو تركيب صمامات لا رجوع ذكية بزاوية 120 درجة. هذه الصمامات تسمح بخروج مياه المدينة في الوضع العادي، لكنها تنغلق تلقائياً بفعل ضغط مياه الوادي المرتفع، مما يمنع الدخول العكسي للمياه إلى الأحياء.

ثالثاً: الاستراتيجية الهيكلية.. كيف نمنع تكرار السيناريو؟

على المدى المتوسط، لا بد من الانتقال من “منطق الإغاثة” إلى “منطق الحماية المستدامة” عبر:

  • دراسة هيدروليكية حديثة: تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية ونمذجة سيناريوهات تفريغ السد وتأثير المد البحري.
  •  أشغال حماية دائمة: تشمل بناء حواجز حجرية (Enrochement) وإنشاء أحواض احتجاز حضرية (Bassins de rétention).
  • ثورة في وثائق التعمير: منع البناء في المجالات الفيضية بشكل قطعي وتوجيه التوسع العمراني نحو “مناطق التوسع الآمنة” بناءً على خرائط المخاطر.

الخلاصة: العودة بـ “عقد هندسي” جديد

إن الفيضان الأخير لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان “كشف حساب” للمنظومة الحالية. التحدي اليوم أمام مدبري الشأن المحلي والقطاعات الحكومية ليس مجرد إعادة الساكنة، بل العودة في إطار هندسي جديد، صلب وواقعي، يضمن للمواطن القصري أن بيته لن يغرق مجدداً عند أول قطرة مطر.

 

كتبه: عادل أربعي مهندس الدولة هندسة مدنية تخصص هندسة المياه و البيئة منذ 1999

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى