النهري: أحزابنا السياسية تزكي أصحاب “الشكارة” وتضرب معيار الكفاءة عرض الحائط

يعرف المشهد السياسي المغربي تحركات مكثفة للأحزاب في اطار الإستعدادات القبلية لإنتخابات 2021 الجماعية والتشريعية، مع ما صاحبها من سباق نحو الظفر بنجوم السياسة في المن والأقاليم الكبرى من أجل ضمان أتمثيلية مهمة في مجلسي البرلمان والمستشارين، وكذا الظفر يجبرئاسة المجالس الجماعية والقروية، وكشف في هذا الإطار الدكتور حميد النهري أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بطنجة في حوار صحفي، أن أهم ما يلاحظ اليوم على الأحزاب السياسية هو عودتها الى نهج نفس الممارسات التي عودتنا عليها خلال السنوات الاخيرة، فتحركاتها هذه الأيام منصبة فقط على عمليات استقطابات ومزايدات للمرشحين المحتملين، وهذه العملية تتم بطريقة كاريكاتورية أدت إلى تكريس أكثر لظاهرة الميركاتو الإنتخابي هذه الظاهرة التي تميز مشهدنا السياسي قبيل كل انتخابات.

وأضاف النهري، أن تزامن هذا الميركاتو مع الظرفية الصعبة التي تعيشها بلادنا جعلته يشكل استفزازا شديدا للمواطنين المنهكين بتداعيات الجائحة، بل ان هذا الاستفزاز امتد الى الدولة التي لم تعد تردد في وجه الجميع سوى اسطوانة الضائقة المالية.

واسترسل النهري قائلا: “ولكي نكون صرحاء احزابنا السياسية بهذه الممارسات ظهرت وكأنها لم تستوعب حجم التحديات الكبيرة للظرفية الصعبة التي تمر منها البلاد، وعوض ان تتحمل مسؤوليتها وتبادر للمساهمة في تخفيف الاحتقان الاجتماعي الخطير الذي يلقي بظلاله على مجتمعنا ويزداد يوما بعد يوم جراء تداعيات الجائحة نجدها تنخرط بقوة فقط في مزايدات ظاهرة الميركاتو الانتخابي.

إذن علينا جميعا ان نناقش بكل جرأة هذه الظاهرة التي لم يعد أصحابها يخفون انتهازيتهم، حيث أصبحنا أمام وضع معقد من جهة الأحزاب سياسية، التي تصرح بدون خجل في خطاباتها أنها لن تزكي في الانتخابات المقبلة الا أصحاب (الشكارة)، لضمان أكبر قدر من المقاعد البرلمانية، بل أكثر من ذلك تتفاخر بهذا الأمر وتتهافت على استقطاب هذه النوعية من اللاعبين الكبار أي الكائنات الانتخابية المعتادة حتى وان كانوا يملكون عقودا مع احزاب اخرى فهي تسعى الى منحهم عقودا افضل واكثر امتيازا من أجل جلبهم. او التهديد بادخال منافسين جدد للاطاحة بهم.

الشيء الذي أدى إلى عودة بروز العديد من الوسطاء وسماسرة الانتخابات لكن هذه المرة يشتغلون بطرق جديدة تتماشى والقوانين الانتخابية الجديدة لتنظيم هذه العملية والاكثر من ذلك ان هذه الممارسات تتم بطريقة علنية في تحدي صارخ لكل القوانين المنظمة.

ومن جهة أخرى، فان هذا الميركاتو الإنتخابي على صعيد القيمة المالية وهذا هو الخطير، يظهر أنه لم يتأثر بالظرفية الصعبة ولا زال مستمرا بل يمكن أن يصل مع مقتضيات القوانين الانتخابية الجديدة الى أقصى مستوياته ضاربا عرض الحائط تداعيات وتاثيرات جائحة كورونا.

على العكس مثلا عند المقارنة مع الوضعية العامة للميركاتو الحقيقي اي الميركاتو الكروي في أوروبا سواء الشتوي أو الصيفي، نستنتج أن هذا الأخير سجل هذه السنة أدنى مستوياته من التعاملات، وذلك نتيجة تداعيات الجائحة وتأثيرها على مالية حتى أعتى الاندية الرياضية الأوروبية.

وبخصوص الخطابات التي ترفعها الأحزاب من قبيل تجديد النخب وفتح المجال أمام الشباب والكفاءة، صرح النهري قائلا: “للأسف هذا هو التناقض الذي يميز مشهدنا السياسي منذ سنوات احزاب تُكثر من الخطابات الفضفاضة وتكرس نفس الممارسة قبيل كل انتخابات، وبالتالي دائما تكون النتيجة ضعف انخراطها وتجاوبها مع المبادرات الإصلاحية.

فيكفي مثلا الرجوع إلى الخطب الملكية التي دائما ما حملت رسائل واضحة للفاعلين السياسيين في هذا الاطار خطب تتضمن إصلاحات رائدة ومتقدمة تخص فئة الشباب وفئة الكفاءة لكن للأسف غالبا ما يقابلها ضعف كبير على مستوى التجاوب والمواكبة من طرف الاحزاب السياسية التي غالبا ما يهمها هو المحافظة على مصالحها الضيقة والتضحية بكل مبادرة اصلاحية الشيء الذي يؤدي الى استمرارية مشهد سياسي يتميز باحزاب تفتقد اي قيمة مضافة حقيقية.
كذلك نلاحظ هذا الضعف في التجاوب ايضا مع مطالب وطموحات المجتمع في هذه الظرفية الصعبة خصوصا فئات الشباب والأطر الكفأة.
بل اكثر من ذلك نجد احزابنا زادت الوضع تعقيدا حيث كرست نوعا من الانتهازية وثقافة الريع لدى هذه الفئات التي أصبحت متشبعة ومؤمنة بثقافة الريع للمنافسة على مناصب المسؤولية عوض ان تفرض نفسها عن طريق النضال داخل هاته التنظيمات السياسية من أجل الاصلاح وتكريس مبدأ الاستحقاق.
كما برزت للاسف هذه الثقافة لدى هذه الفئة عندما تم الغاء لائحة الشباب بالنسبة لانتخابات 2021 لاحظنا ردات فعل وترافع شبيبات بعض الأحزاب السياسية بغية الاحتفاظ بنظام اللائحة مع ان الجميع يعلم ان هذه اللائحة لم تعمل سوى على تكريس ثقافة الريع في الانتخابات السابقة.
نفس الشيء ينطبق على ما يطلق عليه بفئة الكفاءات، فهناك جزء قليل منها يحاول ان يفرض نفسه داخل الاحزاب السياسية رغم صعوبة الأمر، وجزء أخر اختار الانسحاب على طريقة (المقعد الفارغ ) والتفرج من بعيد في هروب تام من تحمل المسؤولية.

وهناك جزء كبير من فئة الكفاءات وللاسف اصبح هذا الجزء من هذه الفئة يمثل الاغلبية ومتشبعا بثقافة الريع وينهج اسلوب الانتهازية في إطار صفقات مصالح شخصية اما مع القيادات الحزبية او مع الدولة.

٠تطلعات حول انتخابات 2021

كما يعلم الجميع وكما جرت العادة فإنتخابات 2021 هي التي ستحدد تشكيلة البرلمان والحكومة المقبلين، والظرفية الصعبة التي تعيشها بلادنا على جميع المستويات تقتضي اليوم التوفر على مؤسسات قوية.
فمن جهة، الحكومة تملك إرادة سياسية قوية وبرامج عملية قابلة للتنفيذ وقادرة على رفع التحديات التي تواجهها البلاد، ومن جهة أخرى في حاجة الى مؤسسة تشريعية فعالة لمواكبة وتأطير هذه التحولات.

وأعتقد أن الوضع لا يسمح بغير هذا التحدي وذلك قبل فوات الأوان خصوصا على المستوى الاجتماعي حيث يجب أن نعترف ان الاحتقان الاجتماعي وصل الى مستويات خطيرة لا تبشر بالخير ولا تقتضي التأخير.
للأسف الوضعية الصعبة التي تعيشها البلاد كان يمكن ان تشكل فرصة كبيرة ومواتية لأحزابنا السياسية، كان يجب الاستفادة منها ونهج مبادرات سياسية جديدة تستطيع من خلالها إعادة الاعتبار الى العمل السياسي المسؤول.
لكن بكل أسف أحزابنا السياسية اختارت أن تعتبر هذه الوضعية الصعبة مرحلة وضعتها بين قوسين ورجعت الى نفس الممارسات”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق