من بيع التزكيات إلى تسويق الإقالات.. الانتخابات تدخل مرحلة “التحايل المقنن”

متابعة | ياسر الصيباري
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، لم يعد الجدل السياسي بالمغرب مرتبطا فقط بظاهرة بيع التزكيات الحزبية، بل برزت إلى الواجهة ممارسة أكثر خطورة وتعقيدا، تتمثل في ما أصبح يعرف داخل الكواليس السياسية بـ”بيع الإقالات”، في مؤشر مقلق على التحولات التي بات يعرفها المشهد الحزبي خلال السنوات الأخيرة.
فبعدما تحولت بعض التزكيات الانتخابية إلى سلعة تخضع لمنطق المال والنفوذ، انتقلت بعض الجهات إلى مرحلة جديدة تقوم على “تفصيل” إقالات حزبية على المقاس، هدفها الأساسي فتح الباب أمام المنتخبين لتغيير انتماءاتهم السياسية دون فقدان مقاعدهم المنتخبة، عبر استغلال ثغرات قانونية مرتبطة بحالات الترحال السياسي.
وحسب معطيات متداولة داخل الأوساط الحزبية، فإن بعض المنتخبين المحليين والإقليميين أصبحوا يحصلون على قرارات طرد أو إقالة صورية من أحزابهم الأصلية، ليس بسبب خلافات تنظيمية حقيقية أو خروقات تأديبية، بل كجزء من ترتيبات سياسية معدة سلفا تسمح لهم بالالتحاق بأحزاب أخرى دون السقوط تحت طائلة التجريد من العضوية.
هذه الممارسات، التي بدأت تنتشر بشكل لافت في عدد من التنظيمات، تكشف حجم الانحدار الذي وصلت إليه بعض العقليات الانتخابية، بعدما تحولت الأحزاب لدى البعض من مؤسسات للتأطير السياسي إلى منصات لتبادل المصالح والمقاعد، في مشهد يضرب مصداقية العمل الحزبي في العمق.
الأخطر من ذلك، أن هذه السلوكات لم تعد تثير الاستغراب كما في السابق، بل أصبحت تتداول بشكل شبه عادي داخل الكواليس الانتخابية، وكأن الأمر يتعلق بآلية “مشروعة” من آليات التدبير السياسي، وهو ما يعكس حالة التطبيع الخطير مع ممارسات تفرغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.
ويرى متابعون أن استمرار هذه الظواهر يساهم بشكل مباشر في توسيع فجوة فقدان الثقة بين المواطن والأحزاب السياسية، خاصة لدى فئة الشباب التي أصبحت تنظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد عملية لإعادة تدوير الوجوه والمصالح، بعيدا عن أي رهان حقيقي للإصلاح أو التغيير.
كما أن اللجوء إلى “الإقالات المفبركة” يكشف وجود شبكات انتخابية محترفة تبحث فقط عن إعادة توزيع التوازنات والمقاعد، دون أي اعتبار للأخلاق السياسية أو لروح القوانين المنظمة للحياة الحزبية، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول مدى قدرة الأحزاب على حماية نفسها من تغلغل منطق السمسرة السياسية.
وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى موقف حازم من طرف القيادات الحزبية الوطنية، من أجل وقف هذا العبث السياسي، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيمات، مع تشديد المراقبة على كل أشكال التحايل الانتخابي التي تسيء إلى صورة المؤسسات المنتخبة وتضرب الثقة في المسار الديمقراطي.



