لقجع والرجة السياسية.. هل صنع الرجل الحدث أم كشف أزمة السياسة المغربية؟

بقلم | ذ. عصام الطالبي

لم يكن إعلان التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة مجرد خبر حزبي عابر، بل تحول في ظرف ساعات إلى الحدث السياسي الأبرز في المغرب، بعدما تصدر عناوين وسائل الإعلام، وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار ردود فعل متباينة من قادة الأحزاب السياسية، بين مرحب ومنتقد ومهاجم، وكأن الأمر يتعلق بزعيم سياسي راكم عقودا من النضال الحزبي أو بمرشح لرئاسة الحكومة.

هذا التفاعل الكبير يطرح أكثر من سؤال: هل يعود فعلا إلى الوزن السياسي لفوزي لقجع؟ أم أنه يكشف، في المقابل، عن أزمة عميقة تعيشها النخبة الحزبية المغربية؟

من الصعب القول إن لقجع راكم رصيدا سياسيا بالمعنى التقليدي، فهو لم يعرف بمسار طويل داخل الأحزاب، ولم يبن مكانته من خلال العمل البرلماني أو التدبير الجماعي أو المعارضة السياسية. بل إن حضوره في الوعي الجماعي ارتبط أساسا بالنتائج الاستثنائية التي حققتها كرة القدم الوطنية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعله اسما يحظى بشعبية واسعة داخل المجتمع المغربي.

لكن هذه النجاحات الرياضية نفسها لا يمكن اختزالها في شخص واحد، مهما كانت كفاءته أو مساهمته في تدبير القطاع. فالتحول الذي عرفته كرة القدم المغربية جاء في إطار رؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى، انطلقت مع المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، ثم تعززت باستثمارات ضخمة في البنيات التحتية، ومراكز التكوين، والحكامة الرياضية، والتأطير التقني، وهو ما جعل المغرب يتحول إلى قوة رياضية إفريقية وعالمية.

وقد ترجمت هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة، أبرزها الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم بقطر، ثم مواصلة الحضور المشرف في كأس العالم 2026، إلى جانب التألق المستمر لمنتخبات الفئات السنية، ومنتخب كرة القدم داخل القاعة، والمنتخب النسوي، فضلا عن احتضان المغرب لأكبر التظاهرات الرياضية القارية والعالمية، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.

لذلك، فإن الشعبية التي يحظى بها لقجع اليوم ترتبط في جزء كبير منها بصورة النجاح الرياضي الذي تحقق في هذا الورش الوطني، أكثر من ارتباطها بمسار سياسي خاص به.

غير أن اللافت في كل هذه القضية ليس فقط حجم الاهتمام الإعلامي، بل أيضا الطريقة التي تعاملت بها الأحزاب السياسية مع خبر التحاقه. فقد بدا وكأن الساحة السياسية المغربية كانت تنتظر “نجما” جديدا، فسارعت بعض القيادات إلى الإشادة به، بينما انبرت أخرى إلى مهاجمته أو التشكيك في دوافع التحاقه، في مشهد يعكس هشاشة الحياة الحزبية أكثر مما يعكس قوة الرجل السياسية.

ولو كانت الأحزاب المغربية تتوفر على نخب سياسية وازنة ومتجددة، لما أحدث انضمام أي شخصية، مهما كان وزنها، كل هذه الرجة. فالحزب السياسي القوي هو الذي يصنع القيادات ولا ينتظرها، ويؤطر الكفاءات ولا يراهن فقط على الأسماء ذات الحضور الإعلامي.

لقد كشف هذا الجدل، مرة أخرى، أن المشهد الحزبي يعيش أزمة حقيقية في إنتاج النخب والقيادات، فبعد رحيل أسماء سياسية كبيرة طبعت الحياة العامة لعقود، لم تنجح معظم الأحزاب في إفراز جيل جديد يمتلك الكاريزما والخبرة والقدرة على التأثير في الرأي العام، وأصبح الاعتماد بشكل متزايد على استقطاب شخصيات معروفة في الإدارة أو الاقتصاد أو الرياضة أو الإعلام، محاولة لتعويض هذا الفراغ، بدل الاستثمار في تكوين قيادات حزبية تنمو داخل المؤسسات الحزبية نفسها.

إن الأحزاب التي كانت في الماضي مدارس لتكوين السياسيين أصبحت، في حالات كثيرة، تبحث عن وجوه جاهزة تملك رصيدا شعبيا أو إعلاميا، وهو ما يفسر حالة التهافت التي رافقت التحاق لقجع، كما يفسر في المقابل حجم التخوف الذي أبدته بعض القيادات المنافسة.

ولا شك أن فوزي لقجع يمتلك خبرة كبيرة في التدبير والإدارة، ونجح في قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى تحقيق مكاسب مهمة، لكن نجاحه السياسي سيظل رهينا بمدى قدرته على التأقلم مع منطق العمل الحزبي، الذي يختلف عن منطق الإدارة والتسيير الرياضي، ويخضع لمعادلات انتخابية وتنظيمية وتحالفات ميدانية أكثر تعقيدا.

وفي النهاية، قد لا يكون الحدث الحقيقي هو انتقال لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بل الرسالة التي كشفها هذا الانتقال، وهي أن السياسة المغربية أصبحت في حاجة إلى تجديد عميق لنخبها، وإلى إعادة الاعتبار للأحزاب باعتبارها فضاءات لصناعة القيادات، لا مجرد محطات لاستقطاب الأسماء اللامعة بعد نجاحها في مجالات أخرى، فإذا استمرت الأحزاب في الاعتماد على الكفاءات القادمة من خارجها لتعويض ضعفها الداخلي، فإن أزمة إنتاج النخب ستظل قائمة، مهما تغيرت الأسماء والوجوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى