أزمة سبتة ومليلية.. المغرب يعيد ملف المدينتين إلى الواجهة ويسجل نقاطا للمستقبل

كتبه | ذ. عصام الطالبي
لم تكن أزمة سبتة الأخيرة مجرد موجة هجرة جماعية انتهت بإعادة الآلاف ودفن ضحاياها، بل تحولت، في تقديري، إلى محطة سياسية أعادت واحدا من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة النقاش، بعدما ظل ملف سبتة ومليلية لسنوات بعيدا نسبيا عن الاشتباك الدبلوماسي المباشر بين الرباط ومدريد.
المغرب اختار في تدبير هذه الأزمة لغة مختلفة، تقوم على ضبط الميدان وتفادي الانجرار نحو مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه ترك المجال للرسائل السياسية كي تصل إلى الجهة الأخرى، وهذا ما يجعل تقييم نتائج الأزمة الآن سابقا لأوانه، لأن جزءا من مكتسباتها، إن أحسن المغرب استثمارها، قد لا يظهر إلا مستقبلا.
ومن بين أكثر الملفات إثارة للانتباه قضية جثامين ضحايا أحداث 30 و31 يوليوز، إذ شرعت سلطات سبتة في دفن عدد من الجثامين غير المعروفة الهوية داخل المقبرة الإسلامية بسيدي مبارك، بعدما تعذر تسليمها إلى المغرب، وقد دفن أول 18 جثمانا يوم 21 غشت، بينما ظلت قضية التعرف على هويات بقية الضحايا وتسليمهم موضع خلاف بين الطرفين.
لكن قراءة الموقف المغربي باعتباره مجرد رفض لاستقبال الجثامين قد تكون قراءة ناقصة، وزير العدل عبد اللطيف وهبي قدم تفسيرا آخر، حين ربط الأمر بضرورة معرفة هوية أصحاب الجثامين، معتبرا أنه لا يمكن للمغرب أن يتسلم جثثا لا يعرف أصحابها، بالتوازي مع مطالبته بمعالجة شاملة لملف المغاربة الموجودين داخل سبتة، وخاصة القاصرين.
سياسيا، لا يمكن فصل هذا الموقف عن الرسالة الأكبر التي حملتها تصريحات وهبي بشأن سبتة ومليلية، فالوزير تحدث صراحة عن “حق تاريخي وجغرافي” للمغرب، ودعا إلى فتح آلية للحوار مع إسبانيا بشأن مستقبل المدينتين وعودتهما إلى المغرب، ولم تمر هذه الكلمات بهدوء في مدريد، إذ سارعت الخارجية الإسبانية إلى إعلان رفضها “القاطع” لأي طرح يمس ما تعتبره السيادة والوحدة الترابية لإسبانيا.
وهنا تحديدا يمكن قياس الأثر السياسي للأزمة، فعندما تجد الحكومة الإسبانية نفسها مضطرة إلى إعادة التأكيد، وعلى أعلى مستوى دبلوماسي، أن سبتة ومليلية غير قابلتين للنقاش، فهذا يعني أن الملف عاد بالفعل إلى الطاولة السياسية والإعلامية، ولو من باب الرفض الإسباني.
والأهم أن التصريحات لم تصدر عن صحافي أو ناشط أو مسؤول حزبي خارج الحكومة، بل عن وزير عدل داخل الحكومة المغربية. لذلك اكتسبت كلمات وهبي ثقلا سياسيا خاصا، حتى وإن كان من الضروري التمييز بين تصريح وزير وبين موقف دبلوماسي رسمي تصدره وزارة الخارجية أو المؤسسة الملكية.
لقد قال وهبي أيضا إن بعض الشباب الذين دخلوا سبتة كانوا يعتبرون أنهم يتحركون داخل “بلادهم”، وإن التعامل معهم بالقوة كان يمكن أن يقود إلى عواقب خطيرة، وبصرف النظر عن الجدل الذي يمكن أن تثيره هذه العبارة، فإنها أدخلت بعدا سياديا إلى نقاش كان الجانب الإسباني يريد حصره في الهجرة والحدود والأمن.
وهذا ربما هو أكبر تحول أنتجته الأزمة: سبتة لم تعد خلال الأسابيع الأخيرة مجرد مدينة تواجه ضغطا للهجرة، بل عادت لتطرح في الإعلام والسياسة الإسبانيين باعتبارها ملفا جيوسياسيا مرتبطا بعلاقة إسبانيا بالمغرب، وردود الفعل الإسبانية القوية على تصريحات وهبي تؤكد حساسية هذا التحول، إلى درجة أن مدريد أعادت التأكيد رسميا أن المدينتين جزء من أراضيها ومن الاتحاد الأوروبي.
ولا يعني ذلك أن استرجاع سبتة ومليلية أصبح مسألة قريبة أو محسومة. موازين القوى والقانون الدولي والموقف الإسباني والبعد الأوروبي تجعل الملف شديد التعقيد، لكن الدبلوماسية لا تشتغل دائما بمنطق النتائج الفورية، أحيانا يبدأ تغيير الملفات بإخراجها من دائرة “الموضوع المغلق” وإعادتها تدريجيا إلى دائرة النقاش.
أما الرهان الأكثر إثارة مستقبلا فيتعلق بالموقف الأمريكي. هنا ينبغي تجنب الاستباق، فلا يوجد حتى الآن موقف رسمي أمريكي يقر بنقل السيادة على سبتة أو مليلية إلى المغرب، بل إن الأخبار التي تحدثت عن موافقة أمريكية مسبقة على ذلك جرى تفنيدها.
لكن واشنطن ستظل لاعبا يصعب تجاهله إذا انتقل الملف مستقبلا من التصريحات إلى نزاع دبلوماسي دولي واسع، المغرب راكم خلال السنوات الماضية رصيدا مهما في علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومن الطبيعي أن تراهن الرباط على هذا الرصيد في ملفاتها الكبرى، غير أن تحويل هذه العلاقة إلى دعم أمريكي صريح للموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية يبقى، في المرحلة الحالية، احتمالا سياسيا أقرب الى حقيقة قائمة.
وهنا تكمن قوة التحرك المغربي إذا استمر بنفس النفس الطويل: عدم المطالبة بنتيجة فورية، وعدم تحويل الملف إلى مواجهة مباشرة مع إسبانيا، وإنما إبقاء السؤال مفتوحا، وتذكير مدريد بأن الجغرافيا والتاريخ يجعلان سبتة ومليلية ملفا قابلا للعودة إلى الواجهة كلما تغيرت الظروف وموازين القوى.
أزمة يوليوز، بكل كلفتها الإنسانية المؤلمة، أعادت هذا السؤال إلى الواجهة بقوة. إسبانيا أرادت الحديث عن الهجرة، لكن النقاش انتهى بالحديث عن السيادة، المغرب أراد تجنب مواجهة دامية، لكنه خرج من الأزمة وقد أعاد ملف سبتة ومليلية إلى التداول السياسي، ومدريد التي كانت تعتبر الملف منتهيا وجدت نفسها مرة أخرى تدافع علنا عن إسبانية المدينتين.
لذلك، قد يكون من المبكر الحديث عن انتصار دبلوماسي مكتمل، لكن من الصعب أيضا تجاهل أن المغرب سجل نقاطا سياسية مهمة. فالدول لا تحقق كل أهدافها بضربة واحدة، وبعض الملفات تحتاج إلى سنوات من التراكم الهادئ قبل أن تنضج ظروف الحسم.
وربما تكون أهم نتيجة لما جرى أن السؤال الذي حاولت إسبانيا طويلا تقديمه باعتباره محسوما عاد من جديد: هل ستظل سبتة ومليلية خارج أي تفاوض إلى الأبد، أم أن تغير موازين القوى والتحالفات الدولية سيجبر مدريد، في يوم ما، على الجلوس إلى طاولة حوار كانت تعتبرها مستحيلة ؟



