رفض المحامين الدائم إضعاف المحاماة وإضعاف العدالة

بقلم | النقيب أحمد الطاهري
في سنة 1923، سارع نقباء هيئات المحامين بالمغرب إلى تقديم استقالتهم الجماعية احتجاجاً على تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، بهدف إخضاعها آنذاك لسلطات الحماية، مما أجبر فرنسا على التراجع عن ذلك التعديل التعسفي، واستعادة المحاماة استقلالها وحريتها منذ ذلك التاريخ، إلى غاية تهديد نقباء كافة هيئات المحامين بالمغرب، سنة 2026، بتقديم استقالتهم الجماعية احتجاجاً على مشروع تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة رقم 23.66، الرامي إلى إضعاف المحاماة، من أجل أن تتمكن الحكومة من الهيمنة عليها بواسطة وزارة العدل، لتعويض ما فقدته من إدارتها لشؤون القضاء، إثر انفصال كل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة عنها.
علماً بأن تحرير القضاء من هيمنة الحكومات المتعاقبة وأحزابها السياسية لم يتحقق إلا بنضال المحامين والقضاة والقوى الديمقراطية لعقود طويلة، إلى يوم صدور دستور 2011، الذي نص في بابه السابع على استقلال القضاء. لكن الحكومة أغاضها ذلك، ولم يعجبها لا استقلال القضاء طبقاً للدستور، ولا استقلال المحاماة طبقاً للأحكام الراسخة في قانونها المتعلقة بحريتها واستقلالها، واعتبار المحامين جزءاً من أسرة القضاء، وفقاً للمبادئ الكونية والمواثيق الدولية.
وليتأكد المواطنون من حقيقة لماذا كانت الحكومة فيما مضى، وما زالت إلى الآن، لا ترغب في استقلال المحاماة واستقلال القضاء، لا بد من التذكير بأن القضاء المخزني التقليدي، الذي كان بيد الحكومة، كان يقوم على سلطة مطلقة للباشوات ومختلف رجال السلطة لاعتقال وضرب وتعذيب المواطنين بلا حسيب ولا رقيب، ولم يكن هناك محامون للاحتجاج عليهم وطنياً ودولياً ومنعهم من ذلك. وبعد دخول المحاماة إلى المغرب في أوائل القرن الماضي، ثم انتهاء الحماية سنة 1956، وصدور دساتيره المتوالية التي منعت رجال السلطة من اعتقال المواطنين وضربهم في الباشويات والقيادات، فإن الحكومة، رغم ذلك، بقيت تشرف على القضاء بواسطة وزارة العدل، وتهيمن على العدالة إلى أواخر العقد الماضي، حيث حصل القضاء على استقلاله التام طبقاً للدستور.
ومع ذلك، فإن ضباط الشرطة القضائية، من الشرطة والدرك، الذين يقومون بوضع من يشتبه فيه تحت الحراسة النظرية في مخافرهم، التي يقع فيها أحياناً ما يقع، بالرغم من ممارستهم لتلك الاختصاصات تحت إشراف النيابة العامة، إلا أنهم ظلوا دائماً تابعين إدارياً ووظيفياً لإداراتهم الأصلية.
وباختصار شديد، فإن الحكومة تحاول، باسم الحفاظ على الأمن العام، الجمع بين سيطرتها الإدارية على الشرطة القضائية، التي تقوم بإلقاء القبض على من تدعي أنه مشتبه فيه، وفي الوقت نفسه السيطرة على المحامين حتى لا يستطيعوا الاحتجاج على ما يشوب ذلك من خرق للقانون، والمساس بحريات وحقوق المواطنين المضمونة بالدستور.
مما جعل أصحاب البذلة السوداء يرفضون مشروع التعديل، ومقتضياته الهادفة إلى إضعاف المحاماة وإضعاف العدالة، ويواصلون التوقف عن أداء دورهم الأساسي في ضمان المحاكمة العادلة، ليس للدفاع فقط عن مكتسباتهم المهنية كما يشاع، وإنما للدفاع، إلى جانب ذلك، بصفتهم جزءاً من أبناء الشعب، عن الحرية والديمقراطية ودولة القانون.



