سبتة.. عندما تتحول الأزمات إلى أدوات لاستهداف صورة المغرب

بقلم | ذ. عصام الطالبي

ليست المرة الأولى التي تتحول فيها سبتة المحتلة إلى بؤرة توتر تستغلها أطراف مختلفة لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية. فما إن تقع أزمة مرتبطة بالهجرة، حتى تنطلق حملات منظمة تسعى إلى تقديم المغرب وكأنه يعيش حالة انهيار، متجاهلة تعقيدات الملف وتشابكاته الإقليمية والدولية.

وفي خضم الأحداث الأخيرة، بدا واضحا أن الأزمة لم تعد مجرد قضية هجرة، بل تحولت إلى ورقة في الصراع السياسي داخل إسبانيا. فقد استغلت أحزاب معارضة ما جرى لتوجيه انتقادات حادة إلى حكومة “بيدرو سانشيز”، بينما سارعت سلطات سبتة إلى المطالبة بدعم مالي (من تحت الطبلة) استثنائي من مدريد، في وقت تعيش فيه المدينة أزمة اقتصادية منذ توقف اقتصاد التهريب المعيشي وتشديد المغرب مراقبته للحدود وإنهاء إدخال السلع بالطرق التي كانت سائدة لسنوات، وهذه ضربة مْعلم قصمت ظهر المدينة المحتلة.

كما أثار تدبير ملف القاصرين العديد من علامات الاستفهام، خاصة مع الإسراع في نقل عدد منهم إلى مراكز الإيواء، في الوقت الذي أكد فيه المغرب استعداده للتعاون من أجل إعادة “وْليداتو” إلى أسرهم وفق الأطر القانونية والاتفاقيات الثنائية، بما يضمن مصلحة الأطفال ويحافظ على الروابط الأسرية.

ومن أكثر ما يدعو إلى القلق، التكرار المثير لانتشار دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي تستهدف الأطفال والقاصرين والشباب، وتحرضهم على التوجه نحو سبتة في توقيتات محددة، إن تكرار هذه الحملات يطرح تساؤلات مشروعة حول الجهات التي تستفيد من إذكاء هذه الأزمات، وحول من يقف وراء نشر هذه الدعوات واستغلال هشاشة فئة من الشباب لتحقيق أهداف تتجاوز البعد الإنساني.

ولا يمكن تجاهل أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية قد تجد في أي أزمة تمس المغرب فرصة لتشويه صورته أو ممارسة ضغوط سياسية عليه، غير أن تحديد المسؤولية عن أي عمليات تحريض أو تنسيق يبقى رهينا بما قد تكشفه التحقيقات والمعطيات الرسمية، بعيدا عن الأحكام المسبقة.

في المقابل، أظهر المغرب قدرا كبيرا من الحكمة في التعامل مع هذه التطورات، إذ اختار تدبير الأزمة بهدوء ومسؤولية، محافظا على أمنه الداخلي وعلى قنوات التواصل مع شركائه، دون الانجرار إلى ردود فعل متسرعة قد تخدم من يسعون إلى تأزيم الوضع. كما واصل التأكيد على ضرورة التعاون في محاربة شبكات الاتجار بالبشر، والتعامل مع ملف القاصرين وفق القانون، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون مصالح الدولة.

إن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، بل أيضا بمدى نجاحها في إفشال محاولات استغلالها سياسيا وإعلاميا. وما حدث في سبتة يبرز أن اليقظة، والعمل الاستخباراتي، والدبلوماسية الهادئة، تبقى أدوات أساسية لحماية المصالح الوطنية، إلى جانب مواصلة معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها شبكات التهريب والتحريض لاستدراج الشباب نحو مغامرات قد تكون نهايتها مأساوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى