شيخوخة السكان وتراجع الزواج وانخفاض الخصوبة.. ملامح “مغرب الأسر المصغرة” تتشكل

يشهد المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات ديموغرافية متسارعة بدأت تعيد رسم ملامح الأسرة والسكان، في ظل تراجع واضح في عدد الأطفال، وارتفاع عدد المسنين، وانخفاض معدل الخصوبة إلى مستويات أصبحت دون عتبة تعويض الأجيال.
وتكشف معطيات واردة في تقرير “المؤشرات الاجتماعية للمغرب لسنة 2026” الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، أن نسبة المغاربة الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق ارتفعت من 9,4 في المائة سنة 2014 إلى 13,8 في المائة سنة 2024، فيما اقترب عددهم من خمسة ملايين شخص.
وتسير هذه الزيادة بوتيرة أسرع بكثير من النمو العام للسكان، إذ ارتفع عدد الأشخاص المسنين بمعدل سنوي متوسط بلغ 4,6 في المائة خلال العقد الأخير، مقابل 0,85 في المائة فقط بالنسبة لمجموع السكان.
ومن أبرز مظاهر التحول الديموغرافي أيضا استمرار تراجع الخصوبة، حيث انخفض عدد الأطفال لكل امرأة من 5,5 سنة 1982 إلى 1,97 سنة 2024.
وأصبح هذا المعدل أقل من عتبة تعويض الأجيال المقدرة بـ2,1 طفل لكل امرأة، ما يعني أن المغرب دخل مرحلة ديموغرافية جديدة تتسم بانخفاض متواصل في حجم الأجيال الصاعدة.
ويظهر تفاوت واضح بين المجالين الحضري والقروي، إذ بلغ معدل الخصوبة 1,77 طفل لكل امرأة في المدن، مقابل 2,37 في العالم القروي.
وعلى المستوى الجهوي، سجلت درعة-تافيلالت أعلى معدل بـ2,35 طفل لكل امرأة، تليها الداخلة-وادي الذهب بـ2,25، ثم العيون-الساقية الحمراء بـ2,17 ومراكش-آسفي بـ2,13.
في المقابل، جاءت جهة الشرق في أدنى الترتيب بمعدل 1,73 طفل لكل امرأة، متبوعة بسوس-ماسة بـ1,86 والدار البيضاء-سطات بـ1,90.
ولا يقتصر التغيير على عدد السكان، بل امتد أيضا إلى شكل الأسرة وحجمها. فبينما ارتفع عدد الأسر من 7,31 ملايين سنة 2014 إلى 9,27 ملايين سنة 2024، تراجع متوسط عدد أفراد الأسرة من 4,6 إلى 3,9 أشخاص.
وسجلت المدن انخفاضا من 4,2 إلى 3,7 أفراد في الأسرة الواحدة، فيما تراجع المتوسط في الوسط القروي من 5,3 إلى 4,4 أفراد.
وتؤكد النتائج الأولية للبحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025 أن الأسرة النووية أصبحت الشكل الأكثر انتشارا، بعدما وصلت حصتها إلى 73 في المائة، مقارنة بـ60,8 في المائة قبل نحو ثلاثة عقود.
كما ارتفعت الأسر التي تضم شخصا واحدا فقط من 3,9 في المائة سنة 1995 إلى 5,9 في المائة سنة 2025، في مؤشر على تغير أنماط السكن والعيش داخل المجتمع المغربي.
وتكشف الأرقام كذلك عن تحول في توقيت الزواج، بعدما وصل متوسط سن الزواج الأول إلى 28,5 سنة سنة 2024.
ويبلغ المتوسط 32,4 سنة بالنسبة للرجال مقابل 24,6 سنة لدى النساء، فيما يرتفع سن الزواج في الوسط الحضري مقارنة بالقروي.
وفي سن الخمسين، بلغت نسبة العزوبة 9,7 في المائة لدى الرجال و12,4 في المائة لدى النساء، مسجلة ارتفاعا مقارنة بسنة 2014، خصوصا في صفوف النساء.
وفي ما يتعلق بالزواج، سجل المغرب خلال سنة 2024 تحرير 239,3 ألف رسم زواج، مقابل 249,1 ألفا في السنة السابقة، بتراجع بلغ 3,9 في المائة.
كما انخفض عدد رسوم الطلاق من 27,8 ألفا إلى 26,2 ألفا خلال الفترة نفسها.
غير أن اللافت في معطيات الطلاق هو التحول الكبير في طرق إنهاء العلاقة الزوجية، إذ أصبحت حالات الطلاق بالتراضي تمثل نحو تسعة من أصل كل عشرة رسوم سنة 2024، بعدما كانت لا تتجاوز حوالي الثلث سنة 2008.
أما أحكام الطلاق القضائي، فقد بلغت 65,5 ألف حكم خلال سنة 2024، وكان الطلاق بسبب الشقاق وراء 98,6 في المائة منها.
وبشكل عام، بلغ مجموع رسوم الطلاق وأحكام الطلاق القضائي 91,7 ألف حالة خلال السنة نفسها.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المغرب يعيش مرحلة انتقال ديموغرافي واضحة، تتراجع فيها الخصوبة وحجم الأسرة، مقابل ارتفاع وزن كبار السن وتوسع الأسر النووية والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، وهي تحولات ستفرض خلال السنوات المقبلة تحديات متزايدة على قطاعات الصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية والسكن والسياسات الأسرية.



