حذّر منه عطاف قبل سنة.. المغرب يمضي في تغيير قواعد ملف الصحراء والجزائر تجد نفسها أمام مخاوفها القديمة

قبل نحو سنة، خرج وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف محذراً مما اعتبره أهدافاً مغربية داخل مجلس الأمن، واضعاً في مقدمتها تفكيك بعثة المينورسو أو تغيير طبيعة مهامها بشكل جذري. واليوم، وبعد التطورات التي شهدها الملف خلال الأيام الأخيرة، يبدو أن تلك المخاوف التي كانت تثير قلق الدبلوماسية الجزائرية عادت لتفرض نفسها بقوة، لكن هذه المرة على شكل واقع جديد لم يكن ضمن حساباتها المعلنة.

فما كان عطاف يتحدث عنه باعتباره تحركا مغربيا ينبغي التصدي له، أصبح اليوم عنوانا لمرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء، بعدما انتهت ولاية بعثة المينورسو دون التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن بشأن تمديد مهمتها، قبل إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رسميا انتهاء عملياتها والدخول في مرحلة التصفية.

وبين تحذيرات عطاف القديمة والتطورات الجديدة، تبدو المفارقة السياسية لافتة؛ فالجزائر التي ظلت تراهن على استمرار آليات أممية تقليدية، تجد نفسها اليوم أمام تحولات تعيد طرح الأسئلة بشأن مستقبل هذه الآليات، ومدى قدرتها على مواكبة واقع سياسي ودبلوماسي تغيرت ملامحه خلال السنوات الأخيرة.

ولم يكن المغرب، في المقابل، يتعامل مع هذه التطورات بمنطق ردود الفعل، بل قدم قراءة سياسية واضحة لما جرى، خصوصا أن الرباط كانت، بحسب تصريحات وزير الخارجية ناصر بوريطة، تدرك مسبقا احتمال استخدام روسيا لحق النقض ضد المشروع الأمريكي، وهو ما جعلها تتعامل مع التطور باعتباره فرصة لإعادة النظر في قواعد تدبير الملف، وليس مجرد عثرة دبلوماسية عابرة.

وكان مجلس الأمن قد شهد مواجهة بين واشنطن وموسكو، بعدما أسقطت روسيا مشروع القرار الأمريكي، قبل أن تستخدم الولايات المتحدة بدورها حق النقض ضد المشروع الروسي، لتنتهي ولاية البعثة دون اعتماد قرار جديد يمدد مهمتها. وهكذا وجدت الجزائر نفسها أمام مشهد أممي مختلف، بعدما لم تنجح رهاناتها على استمرار الوضع السابق في منع دخول الملف مرحلة جديدة.

والأكثر إثارة للمفارقة أن الجزائر التي طالما جعلت من استمرار المينورسو إحدى ركائز خطابها بشأن الصحراء، باتت مطالبة اليوم بالتعامل مع واقع لم تعد فيه البعثة تؤدي مهامها وفق الصيغة السابقة، وهو ما يعيد إلى الواجهة التحذيرات التي سبق أن أطلقها عطاف، وكأن الدبلوماسية الجزائرية كانت تستشرف ما تخشاه أكثر مما كانت تملك القدرة على منعه.

أما المغرب، فقد استثمر اللحظة للتأكيد على أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز منطق تدبير النزاع، نحو تغيير عميق في محددات التعامل معه، وهو ما عكسه بلاغ الديوان الملكي الذي اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو خطوة مهمة نحو الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة.

كما جدد ناصر بوريطة التأكيد على أن استمرار بعثة تحمل في تسميتها إحالة على الاستفتاء، رغم مرور عقود دون تنظيمه، لم يعد منسجماً مع التحولات التي عرفها الملف، في إشارة إلى ضرورة تجاوز مقاربات استنفدت أغراضها والانتقال إلى أفق سياسي جديد، يرتكز على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وبينما يواصل المغرب الدفاع عن مقترحه وتوسيع دائرة الدعم الدولي له، تبدو الدبلوماسية الجزائرية أمام معادلة محرجة: كيف ستتعامل مع واقع جديد كانت تحذر منه بالأمس، بعدما أصبحت التطورات الأممية تضعها أمام ضرورة مراجعة حساباتها؟

في النهاية، قد تكون أكثر المفارقات إثارة في هذا المسار أن التحذيرات التي أطلقها عطاف قبل سنة لم تمنع حدوث التحول الذي كان يخشاه، بل أعادت تصريحاته اليوم إلى الواجهة لتذكر بأن التحولات الدبلوماسية لا تتوقف عند حدود التصريحات والتحذيرات، وأن من يراهن على بقاء الوضع كما هو قد يجد نفسه أول من يفاجأ بتغيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى