مسودة واشنطن بشأن الصحراء المغربية تحاصر مناورات البوليساريو وتضع الجزائر أمام مأزق دبلوماسي

تواجه الجزائر وجبهة البوليساريو الوهمية ضغوطا دبلوماسية متزايدة مع اقتراب مجلس الأمن الدولي من مناقشة مشروع قرار أمريكي جديد بشأن الصحراء المغربية، في ظل تداول مسودة تتضمن مقتضيات تعزز موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن مسار المفاوضات، وتعيد طرح مستقبل بعثة “المينورسو” وآليات تدبير الملف الأممي.

وتكشف ردود الفعل الصادرة عن قيادة البوليساريو حجم الانزعاج من التحولات التي قد تحملها المسودة الأمريكية، خصوصا أن النقاش لم يعد مقتصرا على تجديد ولاية البعثة الأممية، بل امتد إلى المرجعية السياسية التي ستؤطر المفاوضات المقبلة، وهو ما يضع الأطروحة الانفصالية أمام اختبار دبلوماسي جديد.

وأثار النص الذي وزعته واشنطن، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، اعتراض جبهة البوليساريو، التي اعتبرت، في رسالة وجهها ممثلها لدى الأمم المتحدة إلى رئاسة المجلس، أن المسودة تعكس الموقفين الأمريكي والمغربي، وتبتعد عن المقاربة التي تدافع عنها الجبهة.

ولم تجد قيادة البوليساريو، وفق ما ورد في موقفها، سوى التلويح بالانسحاب من العملية السياسية الأممية في حال اعتماد المسودة دون إدخال تعديلات جوهرية عليها. ويطرح هذا التهديد علامات استفهام بشأن قدرة الجبهة على مواصلة التأثير في مسار التسوية، إذ إن مغادرة طاولة المفاوضات لن تغير بالضرورة اتجاه النقاش الدولي، لكنها قد تقلص فرصها في التأثير في القرارات التي ستحدد مستقبل الملف.

وتتضمن المسودة المتداولة مقترحا يجعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات، إلى جانب تغييرات محتملة في ولاية “المينورسو”، تشمل إنهاء مهمتها بصيغتها الحالية بحلول نهاية أبريل المقبل، وتحويلها إلى بعثة سياسية لفترة انتقالية تمتد ستة أشهر. كما تطرح دعوة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف.

وإذا جرى اعتماد هذه المقتضيات في صيغتها النهائية، فإنها قد تفتح مرحلة جديدة في تدبير الملف، وتدفع الجزائر والبوليساريو إلى مواجهة واقع دبلوماسي مختلف، تتراجع فيه مساحة المناورة التي اعتادتا توظيفها في النقاشات الأممية. غير أن هذه التدابير لا تزال مقترحات أولية قابلة للتعديل، ولا يمكن اعتبارها قرارات نهائية قبل انتهاء المشاورات والتصويت داخل مجلس الأمن.

وتبرز هذه التطورات التحدي الذي تواجهه الجزائر باعتبارها طرفا محوريا في النزاع، رغم تمسكها بتقديم نفسها خارج دائرة الأطراف المباشرة في المفاوضات. فمع انتقال النقاش إلى طبيعة الحل السياسي والمرجعية التي ستؤطره، تصبح مواقف الجزائر والبوليساريو أمام اختبار يتجاوز التصريحات والاعتراضات، ويرتبط بمدى قدرتهما على التأثير في توجهات مجلس الأمن.

ومع اقتراب جلسة المجلس المرتقبة في 30 أكتوبر، تتجه الأنظار إلى المشاورات بين الأعضاء الدائمين وغير الدائمين، وإلى ما إذا كانت واشنطن ستنجح في تمرير الصيغة التي تدفع بها، أو ستضطر إلى إدخال تعديلات استجابة لمواقف بقية الأعضاء.

وفي المقابل، يواصل المغرب الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا لتسوية سياسية للنزاع في إطار الأمم المتحدة، في وقت تكشف فيه ردود فعل البوليساريو عن حجم الرهان الذي باتت تمثله صياغة القرارات الأممية بالنسبة إلى مستقبل أطروحتها.

وفي انتظار الصيغة النهائية، يبدو أن الرهان الحقيقي أمام الجزائر والبوليساريو لم يعد مجرد الاعتراض على مسودة أمريكية، بل مواجهة التحولات التي قد تطرأ على الإطار السياسي للمفاوضات. فالتلويح بالانسحاب لا يضمن فرض تعديلات، كما أن التصعيد الخطابي لا يعوض التأثير الدبلوماسي، بينما سيظل القرار الذي يعتمده مجلس الأمن هو المحدد الأساسي لمسار المرحلة المقبلة من قضية الصحراء المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى