الدكتور سعيد بوعصاب يكتب: كورونا والإجتهاد الفقهي في النوازل

د/ سعيد بوعصاب: استاذ الدراسات الشرعية – الكلية متعددة التخصصات – السمارة.

مضى عام كامل على ظهور وباء العصر كوفيد 19، ولما يزل إلى وقتنا هذا يحصد في الأنفس البشرية، ويمنع على الناس الكثير مما اعتادوا عليه في الماضي، ومن الجوانب الداعية إلى التأمل في مستجدات هذا الوباء، أنه حرك العقل الاجتهادي في الأمة بشكل ملحوظ، فقد وجد العلماء والباحثون في الدراسات الشرعية أنفسهم أمام سيل من الأسئلة التي لا عهد لهم بها، اللهم ما وصلهم من بعض الكتابات التاريخية والفقهية حول الأوبئة، مثل الطاعون وغيره، ولا شك أن ظروفها تختلف بشكلكبير مع ما ظهر في هذا العصر، ولتقريب القراء من جو الأسئلة الجديدة، والنوازل الحادثة التي واجهها العقل الاجتهادي الفقهي أمام وباءكوفيد 19 نشير إلى أهم المجالات الشرعية التي تناولها البحث والتفعيل، فمنها:

1 ـــ في مجال العقائد: ظهرت الكثير من القضايا والأسئلة المرتبطة بالجانب العقدي من قبيل: التوكل، الصبر، الدعاء، الإيمان بالقضاء والقدر، والعدوى والاعتقاد بتأثيرها، وظهرت أسئلة عقدية ملحة من قبيل: هل الفيروس عقاب من الله تعالى؟ وهل ما وقع في الصين عقاب لهم على ما ارتكبوه بحق المسلمين.؟

2 ـــ مجال الفقه، وهو أو سع العلوم الذي اشتغل بشكل كبير في مواجهة مفرزات الوباء، وتكاد جميع الفروع والأقسام الفقهية تنال حظها من نوازل هذا الوباء.

ففي قسم العبادات: ظهرت نوازل تتعلق بالطهارة، نذكر منها: حكم طهارة الكادر الطبي، المسؤول عن العناية بمرضى كورونا، وحكم تعقيم الأماكن العامة والمساجد بالكحول، وحكم غسل الميت المتوفى بسبب فيروسكورونا المستجد إن غلب على الظن انتقال العدوى منه، وحكم المسح على الكمامات والقفازات
لمن خالط المرضى..الخ

وفيما يتعلق بالصلاة، فقد أفرز هذا الوباء أيضا نوازل حادثة وجديدة، مثل:حكم الأذان للصلاة وقت انتشار الوباء، وحكم رفع الأذان من البيوت، وهل يجوز للمؤذن أن يقول في أذانه: صلوا في رحالكم؟ ــ وحكم الصلاة مع تباعد الصفوف خوفا من انتقال العدوى.، وحكم تعطيل إقامة الجمعة والجماعة والتاويح والعيدين، وحكم اتخاذ المساجد في البيوت، وحكم الصلاة في البيت جماعة، وحكم الجمع بين الصلوات بسبب المرض، وحكم صلاة الجمعة في البيوت بعد منعها في المساجد، وحكم لبس الكمامات في الصلاة.

وأما باب “الجنائز” فقد ظهر فيه أيضا قضايا وأسئلة كان العقل الفقهي ملزما بالإجابة عنها، ويمكن أن أنذكر من بينها: حكم الصلاة على جنازة الميت بسبب الوباء، وهل يعتبر الميت بكورونا من الشهداء؟ وما حكم دفن أكثر من ميت بالوباء في قبر واحد.؟

وأما “فريضة الزكاة” فقد تعلق بها أيضا نوازل جديدة لها علاقة بهذا الوباء منها: حكم دفع الزكاة للمصاب بفيروسكورونا لتغطية تكاليف العلاج، وحكم دفع الزكاة لمن حرم من الكسب أيام الحظر، وحكم تقديم الزكاة قبل وجوبها بسبب البلاء، وحكم شراء المعدات الطبية لعلاج مرضى الوباء من مال الزكاة، وحكم توكيل الجمعيات الخيرية بزكاة الفطر بسبب حظر التجوال..الخ.

وأما عن “ركن الصيام”، فقد كانت له أيضا نوازله التي أجاب عنها العقل الفقهي وذلك مثل: حكم الإفطار بالنسبة للمصاب بكورونا، وحكم الصوم بالنسبة لمن تعاطى حقن اللقاح، وحكم الاعتكاف في البيت بسبب الوباء، وحكم الاقتداء بالإمام عبر البث المباشر في صلاة التاويح، وحكم صلاة العيد فيالبيوت.

وأما “نسك الحج”، فقد ظهرت فيه أيضا أسئلة ملحة من قبيل: حكم لبس المحرم الكمامة احتازا من الوباء، وحكم من أحرم بالحج ثم منع من ذاك احتازا من نشر الوباء، وحكم من أحرم بحج أو عمرة ثم أصيب، وحكم تأخير الحج والعمرة خوفا من الوباء.
ــ وفي قسم “فقه الأسرة” ظهرت أيضا أسئلة جديدة تصدى لها العلماء بالأجوبة والتحليل من قبيل: بيان حكم من أصيب بالوباء هل يعتبر من العيوب التي يرد بها أحد الزوجين.؟ وحكم رضاع الصغير الذي أصيبت أمه بالوباء، وحكم العدة في غير بيت الزوج بسبب الإصابة بالوباء.

وفي “قسم المعاملات”: طرأت نوازل جديدة لها ارتباط وثيق بهذا الجانب، وبخاصة في مجال البيوع، وإبرام العقود، وإحكام التصرفات بمختلف أنواعها، من مثل: حكم التجارة الإلكتونية أو إبرام العقود عن بعد، وحكم احتكار السلع أيام حظر التجوال، وحكم إيقاف رواتب العمال والأجراء أيام الوباء، وحكم الغرامات المالية لمخالفي قوانين الاحتازات، وحكم تبرعات ووصايا المصاب بالفيروس، وحكم الوقف لصالح المراكز العلمية الباحثة عن اللقاح، وهذا قليل منكثير وبعض منكل مما أفرزتهكورونا وواجهت به
العلماء المسلمين، فكان لزاما عليهم التصدي لهذه الأسئلة، وتقديم الأجوبة للناس، للبرهنة على أن هذه الشريعة غير قاصرة، وأنها قادرة على مواجهة المستجدات والطوارئ فيكل زمان ومكان.
وقد استثمر العقل الفقهي في مواجهة هذه النوازل طائفة من العلوم والأدوات الاجتهادية من أهمها:

1 ـــــ القواعد الفقهية: وهو علم برزت الحاجة إليه بشكل ملحوظ لضبط مسار الفتوى في القضايا الجزئية، الأمر الذي سارع معه الفقهاء إلى استثمار القواعد الفقهية الكلية التي يمكن تفعيلها في نوازل هذا الوباء، فكان هنالك حديث عن مجموعة من القواعد، من مثل: “قاعدة المشقة تجلب التيسير”قاعدة “الضرر يزال”. وقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”وقاعدة “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”، وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة”وقاعدة “لا ينكر تغيرالأحكام بتغير الأزمان” وغيرها من القواعد الفقهية المعلومة.

2 ـــ القواعد الأصولية: وكان من أبرز القواعد التي حظيت بالتفعيل” القواعد المتعلقة بالأدلة” نقلية مثل الكتاب والسنة وعقلية مثل: قاعدة “المصلحة”،”وقاعدة سد الذرائع”، كما تم النظر في قاعدة “رفع الحرج وإعمال الرخص”، “والفتوى”، “وشروط المفتي”، “والاجتهاد”، “والاجتهاد الجماعي أو المؤسسي”،
“والإجماع”، وغيرها من القواعد الأصولية الهامة.

3 ـــ مقاصد الشريعة: وقد حظي هذا العلم حين اشتداد فتة الوباء بتفعيل عام، وتركيز خاص من قبل العلماء، فكان الحديث منهم شائعا عن المقاصد ذات العلاقة بالأوبئة، من مثل: حفظ الدين،” “وحفظ النفس”، وعلل بهذا الأصلكثير من النوازل، وطرح موضوع التعارض بين حفظ الدين وحفظ النفس وأيهما يقدم؟ وحفظالمال،سواءكانذلكفيرتبةالضروريات،أومايخدمها،ويحميهافيرتبةالحاجيات، والتحسينيات، كما تم الحديث عن الكرامة الإنسانية باعتبارها من أهم المقاصد الشرعية، وكذا، ترتيب المقاصد عند التعارض، وفق قواعد الموازنة والتجيح..الخ.

4 ـــ فقه الواقع: والمراد به العلم بأحوال الناس وأوضاعهم، وما يعرض لهم، في شؤونهم، والعلم بهذا الوباء، وما له من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية، وما حصل بين العلماء والمفتين من جدل في كثير من النوازل التي حصلت خلال هذا العام كان مرده في الغالب إلى اختلاف في النظر مبني على إدراك الواقع بشكل صحيح أو خطأ، فالجهل بحقيقة هذا الفيروس، وطرق انتشاره، وما يتتب عليه من آثار صحية،كان سببافي رفع عقيرة بعضهم بالمنع من بعض التصرفات أو القرارات التي رأوها غير صائبة، وبسبب ذلك عد العلم بهذا الفقه أساسا للقول في نوازل هذا الوباء.

وفي الختام نشير إلى أن عددا من المؤسسات، والمراكز البحثية قد نشرت كتبا ومصنفات حول نوازل كورونا، كما عقدت مؤتمرات وندوات عن بعد، فكان بذلك هذا العام حافلا بالحركة العلمية الاجتهادية المواكبة لهذا الحدث،كما أن عددا من الطلبة الباحثين في المؤسسات الجامعية والأكاديمية قد أعدوا رسائل علمية في بحوث الماست والدكتوراه حول نوازل كورونا، الأمر الذي يستدعي إنشاء قاعدة بيانات لجمع ما ألف وأنتج حول هذا الموضوع، ونسأل الله تعالى أن يرفع هذا الوباء ويحفظنا من كل بلاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق