“الشْريفة”.. الأميرة التي اختارت أن تعيش بين أهل طنجة

متابعة | هيئة التحرير

لم تكن الأميرة لالة فاطمة الزهراء العزيزية مجرد ابنة للسلطان مولاي عبد العزيز، آخر سلاطين المغرب قبل فرض نظام الحماية، بل تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر الشخصيات الملكية حضورا في الذاكرة الجماعية لمدينة طنجة، حتى إن سكانها لم يكونوا ينادونها إلا بلقب واحد: “الشْريفة“.

ولدت الأميرة يوم 13 يونيو 1927 بمدينة طنجة، في فترة كانت المدينة تعيش خصوصيتها الدولية، بعدما اختار والدها السلطان مولاي عبد العزيز الإقامة بها عقب خروجه من الحكم سنة 1908. وهناك ترعرعت وتلقت تعليمها، إذ تابعت دراستها بالمدرسة الإيطالية، قبل أن تواصل تعليمها بالمدرسة الفرنسية، وظلت المدينة الساحلية جزءا من هويتها ووجدانها طوال حياتها.

وتزوجت سنة 1949 من مولاي الحسن بن المهدي، خليفة تطوان آنذاك، ورغم انتمائها إلى الأسرة الملكية، فإن لالة “فاطمة الزهراء” اشتهرت، بحسب ما يتناقله كثير من قدماء سكان طنجة، ببساطة أسلوب عيشها وقربها من الناس، فقد اعتاد الطنجاويون مشاهدتها وهي تقود سيارتها بنفسها في شوارع المدينة، وتتجول في أسواقها ومحلاتها التجارية دون مظاهر رسمية أو مواكب، في صورة جعلتها تبدو وكأنها واحدة من أبناء المدينة، لا أميرة تفصلها عن الناس الحواجز والبروتوكولات.

وكانت علاقتها بساكنة طنجة تتجاوز الزيارات والمناسبات الرسمية، إذ ارتبط اسمها بالسخاء ومساعدة المحتاجين، وتروي الذاكرة المحلية أن بيتها ظل مفتوحا أمام الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأنها كانت تنصت للمظلومين وتسعى إلى مساعدتهم كلما استطاعت، وهو ما رسخ مكانتها الإنسانية في قلوب الطنجاويين قبل مكانتها الاجتماعية.

ولم يكن حبها لطنجة مجرد ارتباط بمكان الإقامة، بل كان عشقا حقيقيا للمدينة بكل تفاصيلها. فقد كانت تستمتع بالتجول في أحيائها العتيقة، والسير في أزقتها ودروبها، وتحرص على متابعة أحوال سكانها، وهو ما جعل حضورها مألوفا لدى مختلف فئات المجتمع، من التجار والحرفيين إلى البسطاء الذين كانوا يستقبلونها بكل تقدير واحترام.

وعلى المستوى الوطني، كرست جانبا مهما من حياتها للعمل الاجتماعي والدفاع عن قضايا المرأة، إذ عينها الملك الحسن الثاني سنة 1969 رئيسة للاتحاد الوطني للمرأة المغربية، كما ترأست أو رعت عددا من الهيئات والجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والثقافي، من بينها جمعية منطقة طنجة للعمل الثقافي ومهرجان طنجة الدولي للموسيقى. كما عرفت بمواقفها الجريئة في عدد من القضايا الاجتماعية، ومن أبرزها دعوتها إلى كسر الصمت حول مرض السيدا بالمغرب في وقت كان الحديث عنه نادرا.

وبرحيلها يوم 15 شتنبر 2003، فقدت طنجة واحدة من الشخصيات التي ارتبط اسمها بتاريخ المدينة وذاكرتها الشعبية. غير أن لقب “الشْريفة” ظل حاضرا في أحاديث كثير من الطنجاويين، الذين يتذكرونها كأميرة فضلت القرب من الناس على مظاهر الرسمية، وبقيت، في نظرهم، نموذجا للتواضع والكرم وحب المدينة التي احتضنتها منذ ولادتها وحتى آخر سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى