حين تفشل الأحزاب في دورها.. الدولة تتحمل عبء أخطاء السياسيين

بقلم | ذ. عصام الطالبي

تمر الأزمات في المغرب، وتتغير طبيعتها وأسبابها، لكن سؤالا واحدا يعود في كل مرة بإلحاح: أين الأحزاب السياسية؟ وما جدوى وجودها إذا كانت تختفي حين يحتاج المجتمع إلى السياسة، ولا تظهر إلا عندما تقترب الانتخابات وتبدأ معركة المقاعد والتزكيات؟

المفارقة أن أحزاب الأغلبية والمعارضة، رغم اختلاف مواقعها، أصبحت في نظر جزء واسع من المغاربة وجهين لعملة سياسية واحدة، من يوجد في الحكومة يدافع عن الحصيلة ويبرر الإخفاقات، ومن يوجد في المعارضة يرفع سقف الانتقاد، ثم قد تتبدل المواقع بعد الانتخابات فتتبدل معها الخطابات، وكأن المواقف مرتبطة بالمقاعد أكثر مما هي مرتبطة بقناعات سياسية ثابتة.

المشكلة أعمق من حكومة أو حزب أو ولاية انتخابية. نحن أمام أزمة ثقة تراكمت لسنوات، حتى أصبح المواطن المغربي، عندما يعجز عن حل مشكلة في حيه أو مدينته أو إدارته، يتطلع مباشرة إلى تدخل الملك، من الطريق والإنارة والماء والصحة والتشغيل، وصولا أحيانا إلى نزاعات اجتماعية وأسرية وقضايا أمام القضاء، تتكرر المناشدات الموجهة إلى المؤسسة الملكية.

وهذا الوضع في حد ذاته يحمل إدانة ضمنية لبقية المؤسسات والوسطاء، فقد سبق لجلالة الملك محمد السادس أن لخّص جوهر الإشكال عندما ربط لجوء المواطن إلى الملك بعدم قيام المسؤول بدوره، فليس طبيعيا أن تتحول المؤسسة الملكية إلى العنوان الذي تقصده كل الشكايات، بينما يفترض أن توجد حكومة وبرلمان وأحزاب وجماعات ترابية ومؤسسات منتخبة وإدارات قادرة على معالجة مشاكل المواطنين في مستوياتها الطبيعية.

لقد استشعرت الملكية منذ سنوات، وخاصة مع التحولات التي عرفتها المنطقة منذ الربيع العربي، خطورة اتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات الوسيطة، لكن بدل أن تستفيق الأحزاب من سباتها وتستفيد من الرسائل المتكررة وتعيد بناء نفسها، استمر جزء كبير منها في إنتاج الممارسات نفسها، وتقديم الوجوه الفاسدة نفسها، واستعمال الشعارات نفسها.

والنتيجة أن الثقة تراجعت، بينما بقيت المؤسسة الملكية بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع المؤسسة الأكثر حضورا في تصورها للاستقرار وضمان استمرارية الدولة، وهو ما يضع الأحزاب أمام سؤال وجودي: إذا كان المواطن لا ينتظر منها حلا ولا يثق في وعودها، فما الوظيفة السياسية التي بقيت لها؟

أزمة سبتة الأخيرة كانت واحدة من الصور القاسية لهذا الواقع، فمشاهد الراغبين في الهجرة لا ينبغي اختزالها فقط في المقاربة الأمنية أو في تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والتحريض على الهجرة غير النظامية، خلف تلك الصور سؤال اجتماعي وسياسي أكبر يتعلق بما يجعل شبابا، بل وفئات مختلفة، ترى أن الأفق يوجد في الضفة الأخرى مهما كانت المخاطر.

عندما يتسلل اليأس إلى المجتمع، تصبح السياسة مطالبة بالتدخل قبل الأمن، وهنا تحديدا يفترض أن يظهر الحزب السياسي، لا باعتباره وكالة انتخابية تمنح التزكيات كل خمس سنوات، وإنما باعتباره جسرا بين الدولة والمجتمع، يسمع غضب الناس قبل أن يتحول إلى انفجار، وينقل مطالبهم، ويقترح الحلول، ويشرح القرارات، ويؤطر النقاش العام.

الحزب الحقيقي يجب أن يكون بمثابة Pare-choc سياسي واجتماعي، يمتص الصدمات قبل وصولها إلى مركز الدولة، ينزل قادته إلى الشارع والأحياء والقرى، يناقشون المواطنين، يستمعون إلى العاطلين والشباب وأصحاب المقاولات والطلبة والمهنيين، ثم يحولون تلك المطالب إلى سياسات وتشريعات وبرامج قابلة للتنفيذ.

لكن كيف يمكن للحزب أن يقوم بهذا الدور وهو يعاني أصلا أزمة في صناعة النخب؟

هنا نصل إلى أحد أخطر أعطاب الحياة السياسية المغربية: منطق التزكيات، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأحزاب عن الكفاءة وتجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة، تظهر عند اقتراب الانتخابات حسابات المال والنفوذ والقدرة على تمويل الحملات والامتداد الانتخابي، ويشعر كثير من الكفاءات والمثقفين والشباب بأن أبواب السياسة أضيق أمامهم من أبوابها أمام أصحاب “الشكارة” والأعيان وأصحاب المصالح.

لا يمكن أن نحارب فقدان الثقة بمرشحين كانوا سببا فيه، ولا يمكن أن نتحدث عن تخليق السياسة ثم نعيد تدوير الوجوه التي ارتبطت في الوعي العام بالمصلحة الشخصية والانتخابية.

والأخطر أن استمرار ضعف الأحزاب يجعل المؤسسة الملكية تتحمل سياسيا ومعنويا انتظارات لا يفترض أن تصل إليها أصلا، الملكية إحدى ثوابت المغرب ودعاماته الأساسية وضامن لاستقرار الدولة واستمراريتها، بينما يفترض أن تتحمل الحكومة والأحزاب والمنتخبون مسؤولية التدبير اليومي ومواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

لذلك فإن الدفاع عن قوة المؤسسات لا يكون بإضعاف الأحزاب، بل بوجود أحزاب قوية وذات مصداقية تستطيع القيام بوظيفتها الدستورية والسياسية، فأحزاب تنتج النخب بدل أن تستهلك الأعيان، وتبحث عن الكفاءة بدل الثروة، وتخاطب المواطن طوال الولاية الانتخابية لا خلال أسابيع الحملة فقط.

أما استمرار الوضع الحالي، حيث تستهلك الأحزاب تمويلا عموميا مهما ثم يعجز بعضها عن لعب دور الوسيط الحقيقي بين المجتمع والدولة، فإنه يجعل سؤال الجدوى مشروعا: لماذا نمول حياة حزبية لا تستطيع منع اتساع الإحباط وفقدان الثقة؟

المغرب لا يحتاج مزيدا من الشعارات ولا مزيدا من الوجوه التي تغير خطابها بتغير موقعها بين الحكومة والمعارضة، يحتاج أحزابا تعود إلى وظيفتها الأصلية: التأطير، والاقتراح، والمراقبة، وإنتاج النخب، والدفاع عن المواطنين، وتحمل المسؤولية.

لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة ليس وجود مواطن غاضب، بل وجود مواطن فقد الثقة في السياسة نفسها.

وعندما تصبح الملكية آخر مؤسسة يثق فيها المواطن ويلجأ إليها لحل كل مشاكله، فذلك ليس شهادة نجاح للأحزاب، بل ربما يكون أقسى حكم سياسي على فشلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى