الجزائر تحت وطأة النيران.. 12 قتيلا و159 حريقا تضع جاهزية النظام أمام اختبار حقيقي

عادت حرائق الغابات لتخيم من جديد على الجزائر، بعدما خلفت موجة واسعة من النيران 12 قتيلا وعشرات المصابين، في واحدة من أكثر موجات الحرائق دموية خلال صيف 2026، وسط تساؤلات متجددة حول قدرة منظومة الحماية المدنية ووسائل التدخل على احتواء النيران في بلد شاسع المساحة ويمتلك إمكانيات مالية ولوجستية مهمة.

وأفادت السلطات الجزائرية بأن حصيلة الوفيات ارتفعت إلى 12 شخصاً، بينهم خمسة في ولاية جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو، فيما بلغ عدد المصابين، وفق حصيلة لاحقة، 54 شخصاً.

وتزامنت الخسائر البشرية مع انتشار سريع للنيران، بعدما أعلنت الحماية المدنية تسجيل 131 حريقاً عبر 15 ولاية خلال يوم واحد، قبل أن يرتفع العدد في حصيلة لاحقة إلى 159 حريقاً.

وتأتي هذه الموجة في سياق تصاعد تدريجي لوتيرة الحرائق خلال الأيام الماضية. فقد أحصت الحماية المدنية 60 حريقاً في الغطاء النباتي بين 23 و24 غشت، ثم 74 حريقاً خلال الـ24 ساعة الموالية، قبل أن تقفز أعداد البؤر بشكل كبير الأربعاء.

وحتى صباح الخميس، لم تعلن السلطات عن رقم نهائي وموحد للمساحات التي التهمتها النيران، في وقت تواصل فيه فرق الإطفاء عمليات التدخل في عدد من الولايات، بالتزامن مع إجلاء السكان من المناطق المهددة.

ولا تنفصل هذه التطورات عن موجة الحرائق التي شهدتها البلاد خلال يوليوز، والتي خلفت ست وفيات، بينما أعلنت الحماية المدنية إخماد 1968 حريقاً منذ الثامن من يوليوز، منها مئات الحرائق التي طالت الغابات والأدغال والأحراش، إضافة إلى حرائق المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة والنخيل.

وباحتساب ضحايا موجتي يوليوز وغشت، ترتفع الحصيلة البشرية إلى 18 وفاة على الأقل منذ بداية موسم الحرائق الحالي.

وتحمل الجزائر سجلا ثقيلا مع حرائق الغابات، بعدما تحولت بعض المواسم السابقة إلى كوارث وطنية.

فخلال سنة 2022، تحدثت وزارة الداخلية عن 47 وفاة وأكثر من 1600 بؤرة حريق، تسببت في إتلاف حوالي 28 ألف هكتار. وفي يوليوز 2023، أودت الحرائق بحياة 34 شخصا، بينهم عشرة عسكريين، فيما تجاوزت المساحات المتضررة خلال موسم السنة نفسها 41 ألف هكتار.

وفي المقابل، شهدت المؤشرات تراجعاً خلال 2024 و2025، إذ أحصت المديرية العامة للغابات 732 بؤرة خلال 2024، أتلفت حوالي 3484 هكتاراً، بينما بلغت المساحات المتضررة سنة 2025 نحو 5289 هكتاراً.

إلا أن هذا التحسن لم يمنع عودة الحرائق القاتلة خلال 2026، ليعود معها النقاش حول فعالية منظومة الوقاية والاستجابة.

فمنذ حرائق 2021، أعلنت الجزائر عن تعزيز قدراتها في مجال مكافحة الحرائق، سواء عبر اقتناء طائرات مخصصة للتدخل الجوي، مثل Beriev Be-200 وAT-802 Air Tractor، أو من خلال تسخير المروحيات العسكرية.

غير أن اتساع رقعة الجزائر وتوزع الغابات على مناطق مختلفة يجعل سرعة التدخل وتوزيع الوسائل الجوية عاملاً حاسماً، خصوصاً عندما تندلع عشرات البؤر في وقت متقارب.

ومن هنا، لا يقتصر النقاش على عدد الطائرات والمروحيات المتوفرة، بل يمتد إلى مدى جاهزية الأسطول، وانتشاره الجغرافي، وقدرته على تنفيذ تدخلات متزامنة، إلى جانب فعالية أنظمة الرصد والإنذار المبكر.

وتقدر مساحة الغابات في الجزائر بنحو 4.1 ملايين هكتار، وهو ما يفرض تحدياً كبيراً على أي منظومة لمواجهة الحرائق، ويجعل الاستثمار في الوقاية والمراقبة وفتح المسالك الغابوية وتعزيز فرق التدخل المحلية موازياً لأهمية اقتناء معدات الإطفاء.

ومع ارتفاع حصيلة الضحايا مجدداً هذا الصيف، يعود السؤال إلى الواجهة: هل تكفي الإمكانيات التي أعلنت الجزائر عن توفيرها لمواجهة حرائق بهذا الحجم، أم أن تكرار الخسائر البشرية يكشف الحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لمنظومة الوقاية والاستجابة؟

وبينما تستمر فرق الإطفاء في محاصرة النيران، تبقى المعضلة الأساسية مرتبطة بمدى قدرة الجزائر على الانتقال من التعامل مع الحرائق بعد اندلاعها إلى بناء منظومة استباقية تقلل من احتمالات تحول كل موجة صيفية إلى مأساة جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى