دراسة ترصد نمطا حراريا استثنائيا في طنجة مقارنة بأربع مدن مغربية

كشفت دراسة بحثية حديثة عن نمط حراري مغاير في مدينة طنجة مقارنة بأربع مدن مغربية أخرى، إذ أظهرت المعطيات أن وسط المدينة يظل أكثر سخونة من المناطق المحيطة به خلال معظم فترات السنة، في وقت تعرف فيه تازة وبني ملال وإفران والعيون حالات متكررة يكون فيها محيط المدينة أكثر حرارة من مركزها.
واعتمدت الدراسة، المنشورة في فاتح شتنبر 2026 بمجلة “Urban Science”، على تحليل حرارة سطح الأرض في المدن الخمس خلال الفترة الممتدة بين 1995 و2024، بالاستناد إلى صور الأقمار الاصطناعية، إلى جانب معطيات مرتبطة بالمناخ والغطاء النباتي والمساحات المبنية.
وأظهرت النتائج أن طنجة سجلت أبرز فارق حراري بين مركز المدينة ومحيطها، بمتوسط بلغ نحو 4.6 درجات مئوية، بينما عرفت المدن الأربع الأخرى، خلال فترات متعددة، وضعا معاكسا أصبحت فيه بعض المناطق المحيطة أكثر سخونة من المجال الحضري.
ويربط الباحثون هذا الاختلاف في طنجة بعدة عوامل، من بينها كثافة البناء، وطبيعة الأراضي المحيطة بالمدينة، والقرب من البحر، إضافة إلى مستوى الغطاء النباتي، وهي عناصر تؤثر في قدرة الأسطح على امتصاص الحرارة والاحتفاظ بها.
تتبعت الدراسة حرارة سطح الأرض انطلاقا من مركز كل مدينة وعلى امتداد مسافة تصل إلى سبعة كيلومترات في اتجاهات مختلفة، ما أتاح مقارنة المناطق المبنية بالمجالات المحيطة بها.
وبالنسبة إلى طنجة، أظهرت القياسات أن حرارة سطح الأرض تنخفض بشكل عام كلما تم الابتعاد عن مركز المدينة، ما يجعل المجال الحضري أكثر سخونة من محيطه بصورة متكررة.
وبلغ متوسط الفارق الحراري نحو 4.6 درجات مئوية، في حين لم تتجاوز الحالات التي كان فيها مركز طنجة أبرد من محيطها حوالي 3 في المائة خلال الفترة التي شملها التحليل.
وسجل هذا النمط خلال مختلف أشهر السنة، مع بروز الفارق بشكل أكبر خلال فصل الربيع، خصوصا في شهري أبريل وماي.
كما أظهرت النتائج وجود علاقة بين توسع المساحات المبنية وارتفاع الفارق الحراري في طنجة، بالنظر إلى أن الطرق والأسطح والمباني تمتص الحرارة وتحتفظ بها بطريقة تختلف عن المناطق التي يغطيها النبات أو الأراضي الأقل كثافة من حيث البناء.
في المقابل، أظهرت تازة وبني ملال وإفران والعيون نمطا مختلفا، إذ سجلت هذه المدن خلال فترات متعددة درجات حرارة أعلى في بعض المناطق المحيطة مقارنة بوسطها الحضري.
وكان هذا النمط أكثر وضوحا في إفران، بينما ظهر بدرجات متفاوتة في المدن الثلاث الأخرى، ويرتبط أساسا بطبيعة الأراضي الموجودة خارج المجالات المبنية.
وفي المناطق الجافة، يمكن للأراضي العارية أن ترتفع حرارتها بسرعة تحت تأثير أشعة الشمس، ما يجعلها في بعض الحالات أكثر سخونة من أجزاء من المجال الحضري.
ويبرز هذا الوضع بشكل خاص في العيون، بالنظر إلى طبيعة المجال الجاف المحيط بها، في حين تعرف تازة وبني ملال تغيرات حرارية أكبر بين الفصول، بينما تتميز إفران بخصوصية مرتبطة بموقعها الجبلي وغطائها النباتي.
ورغم التقلبات المسجلة خلال الفترة الممتدة بين 1995 و2024، لم يرصد الباحثون ارتفاعا مستمرا في قوة الفارق الحراري من سنة إلى أخرى في المدن الخمس.
استند البحث إلى قياس حرارة سطح الأرض بواسطة الأقمار الاصطناعية، وهي المعطيات التي تعكس حرارة الأسفلت وأسقف المباني والتربة والغطاء النباتي، ولا تمثل بالضرورة درجة حرارة الهواء التي تقيسها محطات الأرصاد الجوية.
وأتاحت البيانات الممتدة على نحو ثلاثة عقود مقارنة درجات الحرارة بين مراكز المدن والمناطق المحيطة بها، ورصد التغيرات التي تعرفها خلال الفصول المختلفة.
كما اختبر الباحثون نماذج للتنبؤ بدرجات حرارة السطح على المدى القصير، حيث حقق نموذج إحصائي موسمي نتائج جيدة في طنجة، بينما أظهرت تقنيات التعلم الآلي أداء أفضل في مدن تعرف تغيرات حرارية أقل انتظاما، مثل تازة.
وأشارت التوقعات التي جرى اختبارها ضمن الدراسة إلى استمرار الأنماط الموسمية المسجلة خلال عامي 2026 و2027، مع بقاء طنجة مختلفة عن المدن الأربع الأخرى من حيث توزيع الحرارة بين مركزها ومحيطها.
وتبرز هذه النتائج اختلاف تأثير كثافة البناء والقرب من البحر وطبيعة الأراضي المحيطة من مدينة إلى أخرى، فيما تظل طنجة الحالة الأكثر وضوحا بين المدن الخمس، من حيث احتفاظ مركزها بدرجات حرارة سطحية أعلى من المناطق المحيطة بها.



