3 سنوات على تعيين التازي واليا على جهة الشمال.. أوراش تنموية في مواجهة صراعات سياسية تستنزف طنجة

متابعة | هيئة التحرير
مرّت ثلاث سنوات على تعيين “يونس التازي” واليا على جهة طنجة تطوان الحسيمة وعاملا على عمالة طنجة أصيلة، بعدما حظي بالثقة الملكية في 19 أكتوبر 2023، خلفا لمحمد امهيدية. ثلاث سنوات من المسؤولية على رأس واحدة من أهم جهات المملكة، تميزت بدينامية تنموية متواصلة، لكنها لم تخل من إكراهات معقدة وصراعات سياسية ألقت بظلالها على تدبير الشأن المحلي بالعاصمة الاقتصادية للشمال.
منذ حلوله بمقر ولاية الجهة، بصم “يونس التازي” على حضور ميداني لافت، من خلال مواكبة عدد من الأوراش المرتبطة بتأهيل البنية التحتية وتحسين المشهد الحضري، في مدينة تعرف توسعا عمرانيا وديمغرافيا متسارعا، جعل من معالجة الاختناق المروري وتطوير شبكة الطرق والمحاور الرئيسية تحديا يوميا أمام السلطات المحلية والمؤسسات المنتخبة.
ولعل ورش تأهيل شارع مولاي رشيد، الذي عرف وتيرة إنجاز متسارعة، يشكل أحد أبرز الأمثلة على الدينامية التي شهدتها المدينة خلال هذه المرحلة، إلى جانب فتح منافذ ومحاور جديدة، وتوسيع بعض الممرات الطرقية، وإزالة بنايات كانت تشكل عائقا أمام حركة السير، في محاولة لتخفيف الضغط المتزايد الذي تفرضه آلاف المركبات على الشوارع والمدارات الرئيسية.
هذه الأوراش، وإن كانت نتاج تدخل مؤسسات ومصالح متعددة، فإنها تعكس أهمية التتبع الإداري والميداني الذي يضطلع به الوالي، خصوصا في مدينة لم تعد الحلول الترقيعية كافية لمعالجة اختلالاتها الحضرية، وأصبحت في حاجة إلى قرارات عملية تستبق التوسع العمراني بدل الاكتفاء بملاحقة تداعياته.
غير أن التحدي الأكبر الذي واجه يونس التازي خلال السنوات الثلاث الماضية لم يكن مرتبطا فقط بالبنية التحتية أو السير والجولان، بل أيضا بمناخ سياسي محلي اتسم بتجاذبات حادة وصراعات داخل المؤسسات المنتخبة، تجاوزت في بعض محطاتها حدود التنافس السياسي الطبيعي، لتتحول إلى عامل إرباك لتدبير عدد من القطاعات والمرافق الحيوية.
فالصراعات التي شهدتها طنجة لم تبق حبيسة قاعات الاجتماعات أو مكاتب المنتخبين، بل امتدت تداعياتها إلى محيط السلطة الترابية، حتى بات مقر الولاية، في طابقه الرابع، مطالبا بالتعامل مع أزمات سياسية وتدبيرية كان يفترض أن تجد حلولها داخل المؤسسات المنتخبة نفسها.
وأمام هذا الواقع، وجد الوالي “التازي” نفسه في سباق مستمر مع الزمن، ليس فقط لمواكبة الأوراش التنموية، وإنما أيضا للحيلولة دون تحول التجاذبات السياسية إلى عائق أمام السير العادي للمرافق العمومية، في حدود اختصاصاته القانونية في التنسيق والمراقبة الإدارية، دون أن يحل محل المجالس المنتخبة في مسؤولياتها الأصلية.
والمفارقة أن مدينة بحجم طنجة، بما تحتضنه من استثمارات استراتيجية وبنيات مينائية وصناعية وسياحية كبرى، لا تزال بعض مرافقها الأساسية رهينة أداء سياسي وتدبيري لا يواكب دائما حجم التحولات الاقتصادية والعمرانية التي تعرفها.
وتزداد أهمية هذه الدينامية بالنظر إلى أن التازي، الذي راكم تجربة في تدبير الشأن الترابي والتجهيز والنقل، أظهر اهتماما بالتفاصيل التقنية للأوراش، وهو ما تجسد في مشروع شارع مولاي رشيد، حيث تحدث بنفسه، خلال دورة لمجلس الجهة في يوليوز 2025، عن إنجاز تهيئة ثمانية كيلومترات في ثلاثة أشهر، بما شمل إعادة تهيئة المدارات وتوسعتها.
قطاع النظافة.. أزمة تكشف حدود التدبير الجماعي
ويظل قطاع النظافة أحد أبرز الأمثلة على الفجوة بين الدينامية التي تشهدها بعض الأوراش التنموية وبين واقع تدبير المرافق الجماعية. فرغم الميزانيات المهمة التي تخصصها الجماعة لهذا القطاع، لا تزال شوارع وأحياء بمدينة طنجة تعاني اختلالات متكررة، تثير استياء السكان وتطرح علامات استفهام حول فعالية المراقبة ومدى احترام الشركات المفوض لها لالتزاماتها التعاقدية.
ولم تعد أزمة النظافة مجرد إشكال تقني مرتبط بجمع النفايات، بل تحولت إلى موضوع تجاذبات سياسية، بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن شبهات استغلال هذا الملف في تصفية الحسابات بين بعض الأطراف المحلية، وهي معطيات تستدعي التحقيق وتحديد المسؤوليات بعيدا عن الاتهامات غير المثبتة.
والمثير أن والي الجهة وجد نفسه مطالبا بالتدخل والمواكبة لمعالجة تداعيات اختلالات تقع مسؤولية تدبيرها المباشر على عاتق المؤسسات الجماعية والشركات المتعاقدة معها. وهو واقع يستنزف جزءا من الجهد الإداري الذي يفترض أن يوجه أساسا إلى تتبع المشاريع الاستراتيجية الكبرى ومواكبة الاستثمار والتنمية الجهوية.
إن أكبر تحد يواجه طنجة اليوم ليس ندرة المشاريع أو غياب الإمكانيات وحدهما، بل الحاجة إلى مؤسسات منتخبة قادرة على الارتقاء بأدائها إلى مستوى التحولات التي تشهدها المدينة، وتغليب المصلحة العامة على الصراعات الشخصية والحسابات الانتخابية الضيقة.
الوالي يسابق الزمن.. فهل يواكب المنتخبون السرعة نفسها؟
بعد ثلاث سنوات من تعيينه، يمكن القول إن حصيلة “يونس التازي” لا تقاس فقط بعدد الأوراش التي جرى إنجازها أو إطلاقها، بل أيضا بقدرته على مواصلة العمل في بيئة سياسية محلية مضطربة، والسعي إلى الحفاظ على وتيرة التنمية رغم الإكراهات التي تواجه تدبير المدينة.
ومع ذلك، فإن الإشادة بالحضور الميداني للوالي لا تعفي السلطة الترابية أو المجالس المنتخبة من ضرورة تقييم النتائج الفعلية للمشاريع، والإنصات إلى انتظارات المواطنين في ملفات النقل والنظافة والتعمير والخدمات الأساسية.
لقد أصبحت طنجة، بما راكمته من مكانة اقتصادية واستراتيجية، أكبر من أن تبقى رهينة خلافات سياسية عابرة. فالمدينة التي تحتضن مشاريع وطنية كبرى، وتستعد لاستحقاقات دولية مهمة، تحتاج إلى انسجام مؤسساتي يوازي حجم طموحاتها، وإلى منتخبين يجعلون من خدمة الساكنة أولوية تتقدم على المصالح والحسابات الخاصة.
ولعل الخلاصة الأبرز بعد ثلاث سنوات من ولاية “يونس التازي” هي أن الوالي لا يحتاج فقط إلى الإمكانيات والصلاحيات لإنجاح الأوراش، بل يحتاج أيضا إلى منتخبين يمتلكون الكفاءة والإرادة، وقبل ذلك اللياقة السياسية والتدبيرية لمجاراة سرعة التحولات التي تعرفها المملكة.
فالمغرب الذي يسير بسرعتين لا يمكن أن تستمر فيه الإدارة الترابية في سباق مع الزمن، بينما تظل بعض المؤسسات المنتخبة منشغلة بصراعات تستنزف الوقت والجهد وتؤخر مصالح المواطنين.



