قانون الالتزامات والعقود في ميزان النقد الأكاديمي

درس افتتاحي لماستر المنازعات المدنية والتجارية بكلية الحقوق بطنجة

متابعة | هيئة التحرير

شهدت كلية الحقوق بطنجة، يوم الجمعة 26 دجنبر 2025، محطة علمية متميزة تمثلت في تنظيم الدرس الافتتاحي للفوج الثاني من ماستر المنازعات المدنية والتجارية، وهو لقاء علمي حمل في طياته بعدا فكريا عميقا ونقاشا نقديا رصينا حول أحد أعمدة المنظومة القانونية المغربية.

وقد اختير لهذا الدرس موضوع راهني وذي حمولة معرفية قوية تحت عنوان قانون الالتزامات والعقود المغربي المعلمة التي تستوجب الإصلاح والمراجعة قراءة متأنية على ضوء نظرية العقد والمسؤولية المدنية، من تأطير الأستاذ الدكتور عبد القادر العرعاري، أحد أبرز الأسماء في الفكر القانوني المغربي، والذي بصم اللقاء بمداخلة وازنة جمعت بين عمق التحليل ودقة الطرح.

ويأتي تنظيم هذا الدرس في سياق الرؤية البيداغوجية التي تشرف عليها منسقة الماستر الدكتورة لبنى الغومرتي، والرامية إلى جعل التكوين الأكاديمي فضاء للتفكير النقدي، وليس مجرد تلق للمعرفة، وذلك عبر فتح نقاش علمي جاد حول النصوص القانونية المؤسسة، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

وقد ترأس هذا اللقاء العلمي السيد عميد الكلية، الذي أكد في كلمته الافتتاحية على أهمية مثل هذه الانشطة العلمية والتكوينية، مبرزا الحاجة الملحة إلى التأطير النوعي الذي يقدمه أساتذة مشهود لهم بالكفاءة والتجربة، قبل أن تتدخل رئيسة شعبة القانون الخاص الدكتورة جميلة العماري، معبرة عن دعمها المتواصل لأنشطة الماستر، ومشيدة بالمجهودات المبذولة للارتقاء بجودة التكوين وتحقيق التميز.

وتميز اللقاء بحضور وازن من طلبة الفوجين الاول والثاني، إلى جانب طلبة من مسالك وتكوينات مختلفة، فضلا عن عدد من أعضاء الفريق البيداغوجي، وشخصيات بارزة من الجسم القضائي، ما أضفى على النقاش طابعا غنيا ومتعدد الزوايا.

وفي مداخلته، قاد الدكتور العرعاري الحضور إلى مساءلة جدوى الاستمرار في الاعتماد على مدونة وضعت في سياق تاريخي مختلف، يعود إلى فترة الحماية، دون أن تواكب إصلاحاتها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي يعرفها المغرب المعاصر، كما استعرض نماذج من التجارب المقارنة، خاصة تجربة تعديل القانون المدني الفرنسي سنة 2016، مبرزا أن الاصلاح التشريعي الحقيقي لا يتم بقرارات معزولة، بل يقوم على تراكم نظري، وتأمل عميق، واجتهاد جماعي، وجرأة تشريعية واعية.

وانتقل بعد ذلك إلى قراءة نقدية للتجربة المغربية، متسائلا عن أسباب التردد في الاصلاح، وحدود المبادرات التشريعية، والمعيقات البنيوية والقانونية التي ما تزال تؤخر مراجعة شاملة لقانون الالتزامات والعقود، في ظل متطلبات العدالة التعاقدية وتطور المفاهيم الحديثة للمسؤولية المدنية.

وقد شكل هذا الدرس، منذ لحظاته الاولى، ممارسة فكرية حقيقية، أكدت أن ماستر المنازعات المدنية والتجارية لا يراهن فقط على التكوين التقني، بل يسعى إلى ترسيخ تقاليد معرفية راسخة، تنقل الطالب من موقع التلقي إلى أفق التفكير النقدي، وتجعل من القانون مجالا حيا للأسئلة المرتبطة بتحولات المجتمع والعدالة.

واختتم اللقاء بتسليم شهادة تقديرية باسم الماستر للأستاذ المؤطر، اعترافا بمجهوده العلمي، وتقديرا لقيمة المداخلة التي قدمها، والتي ستظل راسخة في ذاكرة طلبة الفوج الثاني، وحافزا لهم على مزيد من البحث والتعمق في فهم القانون كحقل مفتوح على التطور والمراجعة المستمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى