أزمة العطش تضرب الجارة وتضع “الجزائر الجديدة” أمام اختبار الماء

تتواصل أزمة التزود بالماء الصالح للشرب في العاصمة الجزائرية وضواحيها، وسط شكاوى متزايدة من الانقطاعات المتكررة واضطراب برامج التوزيع، في وقت تتزامن فيه الأزمة مع موجة الحر التي تشهدها البلاد خلال شهر غشت.

وتعيد هذه الوضعية إلى الواجهة إشكالية تدبير الموارد المائية في الجزائر، البلد الذي يتوفر على إمكانات مالية كبيرة بفضل موارده النفطية والغازية، بينما يجد سكان مناطق من العاصمة أنفسهم مضطرين إلى تخزين المياه وانتظار عودة التزويد لساعات أو أيام.

وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية محلية، فإن اضطراب الإنتاج أو الصيانة في بعض منشآت التزويد، إلى جانب الضغط المتزايد على الشبكات، انعكس بشكل مباشر على عدد من بلديات العاصمة، من بينها الأبيار والمرادية وباش جراح وحسين داي.

أصبحت محطات تحلية مياه البحر مكونا أساسيا في منظومة تزويد العاصمة بالمياه، وهو ما يجعل أي خلل تقني أو تراجع في الإنتاج ينعكس بسرعة على برامج التوزيع

وتطرح هذه الوضعية تساؤلات بشأن قدرة المنظومة الحالية على توفير بدائل كافية في حال توقفت إحدى المحطات أو خفضت إنتاجها بسبب أعمال الصيانة أو الأعطاب التقنية، خصوصا خلال فترات ارتفاع الطلب على المياه.

كما يثير ضعف التخزين الاستراتيجي، وفق تقارير إعلامية، مخاوف إضافية، إذ إن محدودية مخزون الأمان قد تجعل الأعطاب التقنية تتحول من مشاكل مؤقتة إلى اضطرابات تمتد لعدة أيام.

ولا ترتبط الأزمة بالإنتاج وحده، إذ تظل شبكة توزيع المياه واحدة من أبرز التحديات التي تواجه السلطات الجزائرية.

فقد أدى تقادم أجزاء من الشبكة، بحسب المعطيات المتداولة إعلاميا، إلى ارتفاع معدلات التسرب وضياع كميات مهمة من المياه قبل وصولها إلى المستهلكين. كما أن محاولات رفع ضغط المياه لضمان وصولها إلى الأحياء المرتفعة قد تزيد الضغط على القنوات القديمة وتفاقم الأعطاب.

وتزيد هذه المشاكل من صعوبة ضمان توزيع منتظم، خصوصا بالنسبة للسكان المقيمين في الطوابق العليا والمناطق المرتفعة، حيث قد يصل الماء بضغط ضعيف أو ينقطع لفترات طويلة.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تصاعدت شكاوى الجزائريين من تدهور خدمات التزويد، حيث نشر مواطنون شهادات حول اضطرارهم إلى تخزين المياه في البراميل والقنينات تحسبا لانقطاعات طويلة.

وفي بعض الأحياء، تحدث سكان عن فترات حرمان امتدت لأيام، بينما اشتكى آخرون من ضعف الصبيب وعدم وصول المياه إلى منازلهم بالشكل المعتاد.

وتحولت صفحات ومنشورات رقمية إلى فضاء لتوثيق الانقطاعات وتحديد الأحياء المتضررة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى الجهات المسؤولة عن تدبير قطاع المياه.

كما ساهم استمرار الاضطرابات في تنشيط الطلب على خدمات الصهاريج الخاصة، وهو ما يزيد الأعباء المالية على الأسر التي تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر بديلة لتلبية حاجاتها اليومية.

ولا تبدو مشاكل التزود بالماء محصورة في العاصمة، إذ تتحدث تقارير وشهادات متداولة عن صعوبات مماثلة في عدد من الولايات والمناطق الداخلية، خصوصا خلال فصل الصيف.

وفي ولاية سكيكدة، أثارت حادثة إضرام النار في واجهة مقر المجلس الشعبي البلدي ببلدية لغدير جدلا واسعا، في ظل تداول روايات تربط حالة الاحتقان المحلي بمشاكل التزود بالماء.

وفي المقابل، عملت السلطات المحلية على نفي وجود خلفية احتجاجية للحادث، مؤكدة أن الواقعة لا تعكس بالضرورة طبيعة الاحتجاجات المرتبطة بالماء.

وتسلط أزمة المياه الضوء على تحديات تتجاوز مسألة توفر الموارد الطبيعية، لتصل إلى كيفية إنتاج المياه وتخزينها وتوزيعها وصيانة المنشآت والشبكات.

فالاستثمار في محطات التحلية يمكن أن يعزز الأمن المائي، لكنه لا يكفي وحده إذا لم يرافقه تجديد مستمر لشبكات التوزيع، ورفع قدرات التخزين، وتحسين أنظمة الصيانة والاستجابة للأعطاب.

ومع استمرار شكاوى المواطنين، تجد السلطات الجزائرية نفسها أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على ضمان خدمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصا في فصل الصيف.

وبينما يستمر الخطاب الرسمي في التأكيد على المشاريع المائية وتعزيز قدرات التحلية، تظل الحنفيات الجافة في عدد من الأحياء تفرض سؤالا أكثر إلحاحا: هل تكمن المشكلة في ندرة المياه فقط، أم في طريقة تدبيرها وتوزيعها؟

وتبقى الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بقدرة السلطات على الانتقال من الحلول الظرفية إلى استراتيجية متكاملة تضمن استمرارية التزويد، وتقلص التسربات، وتعيد تأهيل الشبكات، وتوفر مخزونا استراتيجيا قادرا على امتصاص الصدمات خلال فترات الأعطاب والطلب المرتفع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى