بين فخامة الملاعب وفوضى المدرجات: هل تسبق البنية التحتية الوعي الرياضي؟

تُشكل أحداث الشغب التي شهدها “كلاسيكو” الجيش الملكي والرجاء الرياضي بمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، صدمة حقيقية للمنظومة الكروية المغربية، ليس فقط لكونها أفسدت متعة مباراة تقنية من الطراز الرفيع، بل لأنها جاءت في توقيت حساس يضع صورة المغرب التنظيمية تحت مجهر الرصد الدولي قبل مونديال 2030.
فبينما كان من المفترض أن تعكس المباراة جودة البنية التحتية العالمية التي باتت تتوفر عليها المملكة، تحولت المدرجات إلى ساحة للفوضى وتبادل المقذوفات، في مشهد تجاوز حدود التنافس الرياضي ليصل إلى تخريب المرافق واستهداف منصة الصحافة، مما خلف استياء وأعاد طرح تساؤلات ملحة حول معايير السلامة والحماية داخل الملاعب الوطنية.
ويكشف هذا الأمر عن هوة سحيقة بين الطموحات العالمية والواقع الميداني، حيث يرى مراقبون أن تحميل الجماهير وحدها المسؤولية يعد تبسيطا لظاهرة معقدة.
فإلى جانب السلوكيات العدوانية لبعض الفئات، تبرز ثغرات لوجستية وتنظيمية واضحة، تتمثل في غياب الحواجز الأمنية الكافية والتقارب الخطير بين جماهير الفريقين، فضلاً عن عدم تفعيل القوانين الزجرية، مثل القانون 09.09، بشكل يمنع ولوج القاصرين ويحد من الانفلاتات.
إن المقاربة الصرفة، التي انتقدتها الفصائل الجماهيرية ووصفتها أحيانا بـ”العشوائية”، أثبتت أنها غير كافية لاحتواء الاحتقان، ما يستدعي الانتقال نحو مقاربة علمية سوسيولوجية تفهم جذور الظاهرة قبل معالجة نتائجها.
ولم تقف تداعيات هذه الأحداث عند حدود الملاعب الوطنية، بل امتد صداها ليشكل مادة دسمة للصحافة الدولية التي لم تتردد في وصف المشاهد بـ”المخجلة والوحشية”.
فربط صحف عالمية كـ”آس” الإسبانية بين هذه الأحداث وقدرة المغرب على تأمين نهائي كأس العالم 2030 يمثل “نكسة” حقيقية لجهود التسويق الرياضي للمملكة، حيث تخدش هذه الصور الذهنية المثالية التي يحاول المغرب ترسيخها كوجهة آمنة ومستقرة كروياً.
هذا الضغط الدولي يضع المغرب أمام تحدي إثبات الكفاءة، ليس فقط عبر العقوبات الزجرية و”الويكلو”، بل عبر إعادة هيكلة شاملة لمنظومة استقبال الجماهير.
ختاما، يظهر أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة لا يكمن في بناء الملاعب فحسب، بل في تدبير العنصر البشري الذي يملأ هذه المدارج.
إن معالجة ملف شغب الملاعب بات يتطلب رؤية شمولية توازن بين الصرامة في تطبيق القانون واحترام الحريات الجماهيرية، مع ضرورة انخراط الأندية والدولة في بناء وعي جماعي يحافظ على المنشآت الرياضية باعتبارها ملكا وطنيا.
فبدون تأمين المدرجات وضمان سلامة الممارسين والإعلاميين، سيظل شبح الشغب يطارد الحلم المونديالي ويهدد بجعل المنشآت العالمية مجرد جدران صماء تفتقد لروح الرياضة وأخلاقها.



