زيارة فيليبي السادس لسبتة المحتلة تهدد بإشعال أزمة جديدة مع المغرب

أعاد إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، عن زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة، متى توفرت الظروف المناسبة، ملف المدينتين المحتلتين إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، وسط تحذيرات من أن تحمل الخطوة أبعادا تتجاوز مجرد زيارة تضامنية لسكان المدينة.
وأثارت الزيارة المرتقبة جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، خصوصا أنها تأتي في أعقاب أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، في وقت يرى فيه عدد من المراقبين أن المغرب قد يتعامل مع الخطوة باعتبارها رسالة سياسية تتصل بشكل مباشر بملف السيادة على سبتة ومليلية.
وفي حال تمت الزيارة، ستكون الأولى لملك إسباني إلى سبتة منذ نحو عقدين، بعدما زارها الملك خوان كارلوس الأول رفقة الملكة صوفيا في نونبر 2007، وهي الزيارة التي تسببت آنذاك في أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد، رغم أن العلاقات الثنائية كانت توصف في تلك الفترة بالجيدة.
وكان الملك محمد السادس قد عبر حينها عن رفض المغرب للزيارة، واصفا إياها بـ”المؤسفة” و”غير المجدية”، قبل أن تستدعي الرباط سفيرها لدى مدريد عمر عزيمان، الذي عاد إلى مهامه بعد نحو 65 يوما، إثر تحرك دبلوماسي إسباني قاده وزير الخارجية آنذاك ميغيل أنخيل موراتينوس لاحتواء تداعيات الأزمة.
وتكتسي الزيارة المرتقبة حساسية أكبر في الظرفية الحالية، بحسب تحليلات نقلتها وسائل إعلام إسبانية، بالنظر إلى أن العلاقات المغربية الإسبانية، رغم التحسن الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة، تظل مرتبطة بعدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها قضية سبتة ومليلية والهجرة والتعاون الأمني.
وفي هذا السياق، اعتبرت إيزابيل فيرنانديز مولينا، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة إكستر، أن السياق الحالي يختلف بشكل واضح عن سنة 2007، مشيرة إلى أن الأزمة الراهنة تأتي في ظل تدفقات كبيرة للمهاجرين، إلى جانب وجود توترات مرتبطة بملفات ثنائية أخرى.
وترى الخبيرة أن رد الفعل المغربي في سنة 2007 كان مرتبطا أيضا بالاعتبارات السياسية الداخلية، مع بقاء الحفاظ على استقرار العلاقات مع إسبانيا أولوية بالنسبة للرباط، غير أن الظروف الحالية قد تمنح الزيارة دلالات مختلفة.
من جهتها، اعتبرت روت فيريرو، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كومبلوتنسي بمدريد، أن الإشكال لا يرتبط فقط بكون سبتة مدينة تتمتع بالحكم الذاتي داخل إسبانيا، وإنما بحساسيتها الخاصة في العلاقات مع المغرب، الذي يعتبر المدينتين جزءا من ترابه الوطني.
وترى فيريرو أن زيارة الملك قد تحمل رسالة قوية بشأن الموقف الإسباني من قضية السيادة، محذرة من أن الخطوة، إذا تمت في هذا الظرف، قد تؤثر على مسار العلاقات بين البلدين، بل وقد تفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية حادة.
ويضاف إلى ذلك عامل التوقيت، إذ تتجه الأنظار في المغرب إلى الانتخابات التشريعية المرتقبة، ما يجعل أي تحرك ملكي إسباني في سبتة محط اهتمام خاص، خاصة في ظل إمكانية توظيف ملف المدينتين والمطالب الترابية في الخطاب السياسي خلال المرحلة الانتخابية.
وفي المقابل، يستبعد محللون أن تكون مدريد راغبة في الدخول في مواجهة دبلوماسية جديدة مع الرباط، بالنظر إلى أهمية التعاون بين البلدين في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، وهو ما يجعل توقيت الزيارة وطبيعتها عاملين حاسمين في تحديد تداعياتها.
ويكتسي غياب فيليبي السادس عن سبتة ومليلية منذ اعتلائه العرش سنة 2014 دلالة خاصة، إذ لم يسبق له أن زار المدينتين حتى عندما كان وليا للعهد، كما لم تشمل جولته الوطنية خلال سنة 2020، في خضم جائحة كورونا، هذين الإقليمين.
وبينما لم يحدد إلى حدود الساعة موعد رسمي للزيارة، تظل الخطوة المرتقبة محكومة بحسابات دقيقة، إذ قد ينظر إليها في إسبانيا باعتبارها تأكيدا للحضور الرسمي في سبتة، بينما قد تراها الرباط، وفق تقديرات خبراء، استفزازل يمس الوضع القائم ويبعث برسالة سياسية قوية بشأن موقف مدريد من ملف السيادة.
وبذلك، تبدو زيارة فيليبي السادس، في حال تحققت، أكثر من مجرد محطة بروتوكولية، إذ قد تتحول إلى حدث سياسي غير عادي يعيد اختبار متانة العلاقات المغربية الإسبانية في واحدة من أكثر القضايا حساسية بين البلدين.



