عبد الحميد البجوقي يكتب:20 سنة من العلاقات المغربية الإسبانية

اقترنت عودة الديمقراطية إلى إسبانيا بموت الديكتاتور فرانكو وبأزمة في العلاقات المغربية الإسبانية وتوترها بعد مطالبة المغرب باسترجاع الصحراء وتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، واستمرت هذه العلاقات يشوبها الحذر المتبادل بين ديمقراطية صاعدة بقيادة الملك خوان كارلوس، ونظام الحسن الثاني الذي لم يطمئن في البداية للانتقال الديمقراطي الإسباني وقيادة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بزعامة فيليبي غونصاليص للمعارضة، ودعمه الصريح آنذاك لجبهة البوليزاريو وللأطروحة الانفصالية.

كان حينها الملك الحسن الثاني متوجِّسا من الانتقال الديمقراطي السريع الذي عرفته الجارة الشمالية، ومن تأثيراته المحتملة على المشهد السياسي المغربي، خصوصا بعد فوز الاشتراكي فرانسوا ميتيران في الانتخابات الرئاسية بفرنسا سنة 1981 وقبلها وصول الاشتراكيين إلى الحكم في ألمانيا والعديد من دول شمال أوروبا.

فوز الاشتراكيين الإسبان سنة 1982 بقيادة فيليبي غونصاليص زاد من حدة الحذر في العلاقات بين البلدين، على الرغم من تطورها وحميميتها بين الملكين خوان كارلوس والحسن الثاني. وكانت تصريحات بعض القيادات الاشتراكية حينها سببا في فتور العلاقات وتعثر التعاون بين الدولتين، وبالخصوص المتعلقة بدعم جبهة البوليزاريو ومحاولة الحكومة الاشتراكية الإسبانية، كسب ود الجزائر وفك ارتباطها بمنظمة إيطا الانفصالية الباسكية التي جعلت بعض قياداتها من الجزائر مقرا وموقعا خلفيا لها.

لم يستمر هذا الوضع كثيرا، واستطاع الزعيم الاشتراكي الإسباني الشاب آنذاك أن يعيد الدفء إلى العلاقات ببراغماتية لم تكن منتظرة. وعلى الرغم من الدعم الذي استمر في صفوف حزبه للأطروحة الانفصالية، استطاع أن يفك الارتباط تدريجيا بجبهة البوليساريو، وأن يجعل من المغرب هدفا إستراتيجيا لسياسته الخارجية، والتقط الملك الحسن الثاني حينها الإشارة الإسبانية وتجاوب معها بترحيب استثنائي، وانتقل بها إلى مستوى الشريك المفضل بعد فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح المغرب قبلة للزيارة الأولى لكل رئيس حكومة مباشرة بعد انتخابه، وتحوّل إلى تقليد التزم به كل رؤساء الحكومات الإسبانية المتعاقبة اليمينية منها والاشتراكية.

ماذا عن العلاقات المغربية الإسبانية بعد 20 سنة من تولي الملك محمد السادس عرش المغرب؟

التوتر والجوار الحذر*، الذي يميز العلاقات المغربية الإسبانية، يجد أسبابه المباشرة في الملفات الشائكة العالقة بين البلدين. من هذه الملفات التي توارت في السنوات الأخيرة ملف المدينتين المتنازع عليهما سبتة ومليلية؛ وهما مدينتان كانتا إلى وقت قريب موضوع مطالبة من المغرب خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما كان ملف الصحراء موضوع خلاف وتوتر بين البلدين، والذي تراجع بعد تطور الموقف الإسباني من مساندة الأطروحة الانفصالية إلى موقف الحياد ومساندة الحوار والمفاوضات بين الطرفين. وعرفت العلاقات اهتزازات عديدة بسبب ملف الهجرة السرية، الذي وصل إلى ذروته مع ما كان يعرف بقوارب الموت؛ لكن براغماتية فيليبي غونصاليص، رئيس الحكومة الاشتراكية آنذاك، والتحول في الموقف الإسباني في ملف الصحراء سهّل التفاهم بين البلدين والتنسيق الأمني بينهما في موضوع الهجرة السرية والإجرام الدولي والإرهاب لاحقا، وكانت من نتائجه قبول المغرب بتوقيع اتفاقية ثنائية يلتزم فيها باستلام المهاجرين المغاربة والأفارقة من دول ثالثة إذا ثبت عبورهم عبر الأراضي المغربية، وهي الاتفاقية الثنائية التي تم توقيعها من طرف وزير الداخلية المغربي آنذاك إدريس البصري والاشتراكي الإسباني خوصي لويس كوركويرا سنة 1992، كما تطور التعاون القضائي بين البلدين بتوقيع اتفاقية قضائية بين البلدين سنة 1998.

على الرغم من تحسن العلاقات بين المغرب وإسبانيا مع فيليبي غونصاليص واستمرارها مع أثنار، ستعرف هذه العلاقات نقلة نوعية بعد تولي الملك محمد السادس للعرش سنة 1999، وباستثناء أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، ستعرف العلاقات الثنائية تطورا هائلا مع صاباطيرو وراخوي.

تطورت العلاقات السياسية بين البلدين في عهد الملك محمد السادس الذي توافق جلوسه على العرش وجود اليميني خوصي ماريا أثنار على رأس الحكومة الإسبانية، لكن تصريحات وزير الخارجية الإسباني جوزيف بيكي سنة 2001 متهما الدولة المغربية بضلوعها في تهريب المهاجرين أثارت غضب الملك المغربي الذي رد عليها بقوة في حوار مع مجلة لوفيغارو الفرنسية سنة 2001 منبها الوزير الإسباني إلى أن زعماء مافيا الهجرة السرية يحملون جوازات إسبانية وحسابات في البنوك الإسبانية، وكانت المرة الأولى التي دعا فيها المغرب سفيره عبد السلام بركة للمشاورات قبل أن يعود إلى سحبه مع أزمة جزيرة ليلى في يوليوز 2002، والتي عرفت بعدها العلاقات المغربية الإسبانية فتورا غير مسبوق، وانخفض مستوى التعاون بين البلدين إلى حدوده الدنيا والضرورية.

بعد انفجارات مدريد سنة 2004 وعودة الاشتراكيين إلى الحكومة في إسبانيا استعادت العلاقات المغربية الإسبانية دفئها مدشنة مرحلة جديدة من التطور والتعاون، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي والتجاري، وانتقلت قيمة التبادل التجاري بين البلدين من 1800 مليون أورو سنة 1999 إلى 15.000 مليون أورو سنة 2018، أي تضاعف بمعدل 700%. ومنذ سنة 2012، أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، الذي يعتبر حاليا الزبون الثاني للمغرب خارج دول الاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبح المغرب في السنوات الأخيرة الوجهة الأولى للاستثمارات الإسبانية في إفريقيا، حيث تستقر ما يقرب من 800 شركة إسبانية. وبشكل لافت انتقل المغرب من دولة مصدرة للهجرة إلى مصْدر للسياح، وارتفع عدد السياح المغاربة في إسبانيا إلى 700.000 سائح سنة 2018.

باختصار، انتقلت العلاقات المغربية الإسبانية، خلال العشر سنوات الأخيرة من حكم الملك محمد السادس، إلى مستوى يضاهي العلاقات المغربية الفرنسية، وأصبح المغرب شريكا إستراتيجيا لإسبانيا في المجال الأمني والاقتصادي والتجاري، وانتقل التعاون بين البلدين في مجال الهجرة إلى مستويات غير مسبوقة مقابل التزام إسبانيا بالدفاع عن المصالح المغربية في الاتحاد الأوروبي والمطالبة بالمزيد من الدعم للدور الذي يقوم به المغرب في حماية الحدود الجنوبية لأوروبا ومنع تدفق الهجرة السرية المقبلة من إفريقيا، كما انتقل التعاون إلى مجالات جديدة كمجال الطاقة المتجددة التي يراهن المغرب على الاستثمار فيه بقوة.

التطور الملموس والهائل للعلاقات المغربية الاسبانية يصطدم بإكراهات ملفات النزاع التاريخية بين البلدين، وباستمرار التماطل الإسباني في اتخاذ موقف واضح من نزاع الصحراء، وبإكراهات الصورة النمطية التي يحملها الشعب الإسباني عن المغرب والمغاربة والتي تؤثر على مواقف الحكومات المتعاقبة خوفا من غضب الناخب. كما تفتقد هذه العلاقات إلى إستراتيجية ثنائية على مستوى التعليم والثقافة تنتقل من الخطابات والتعبير عن النيات إلى رصد ميزانيات لتعزيز البحث العلمي والتبادل الثقافي والفكري.

تقديري أن البلدين يعيان جيدا بأن حسن الجوار ومتانة العلاقة بينهما تعني الاستقرار والأمن في المتوسط، وأن المغرب بوابة رئيسة للمتوسط ومعبر لسياسة الاتحاد الأوروبي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وأن مستقبل هذه العلاقات أن تتطور نحو شراكة متقدمة بين الشعبين، وليس فقط بين الملكين والحكومتين.

أسئلة لا بدّ منها: هل الوضع الداخلي في المغرب يضمن استمرار هذه العلاقات وتطورها؟ هل حقق المغرب بالمقابل، وخلال 20 سنة من حكم الملك محمد السادس، مقومات الاستقرار السياسي والاقتصادي الكفيلة بتعزيز هذه العلاقات وتطويرها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق