طنجة المتوسط..ميناء عالمي وتدبير هاوي “الجزء الأول”

عقب افتتاحه سنة 2007، راهن جلالة الملك محمد السادس على جعل ميناء طنجة المتوسط، بوابة المغرب البحرية تجاه دول العالم ومنصة للاستثمارات في إفريقيا، بل وأكثر من ذلك، جعله معبرا حتميا لسفن التجارة العالمية الرابطة بين مختلف القارات، وعمودا فقريا للإقتصاد المغربي، غير أن سوء تدبير وإخفاقات المسؤولين على تسييره أضحت تشكل مصدر تهديد لتنافسيته على المستوى العالمي وريادته في حوض البحر الأبيض المتوسط، خاصة مع وجود ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني البعيد بكيلوميترات قليلة عن الميناء المتوسطي، والذي يعد منافسا شرسا له.

وقد لامست عشوائية وارتجالية السلطة المفوض لها تدبير الميناء المتوسطي والمتمثلة في الوكالة الخاصة طنجة المتوسط”TMSA”، مختلف القطاعات داخله، حيث صار “الإحتقان” و “البلوكاج” وعرقلة الحركة التجارية عنوانا بارزا يتصدر نتائج البحث في محرك البحث “غوغل” عن كل ما يتعلق بالميناء الأكبر في شمال إفريقيا، والذي رصدت له مئات الملايير ليكون صرحا إقتصاديا رائدا على مستوى القارة السمراء، فقد أصبح حجم السخط الذي يخيم على الشركات المشتغلة داخل الميناء وكذا المهنيين الذين شلوا حركة النقل بالميناء في مناسبات عديدة احتجاجا على التدبير الهاوي، يشكل عائقا أمام استمرار نموه، كل هذا في وقت اختارت السلطة المينائية الركون إلى الوراء وعدم التحرك لتجاوز اختلالاتها التدبيرية.

فشل السلطة المينائية في إيجاد حل لخصاص البواخر

رغم مرور عدة أشهر على بروز هذا المشكل الذي أصبح يشكل مصدر قلق ومعاناة لمهنيي النقل الدولي، لم ينجح مسؤولي ميناء طنجة المتوسط، في إيجاد حل لهذا المشكل الذي يهدد مستقبل الصادرات المغربية، والذين وجدوا أنفسهم في خضم ورطة بسبب النقص الكبير لهذه البواخر، خاصة تلك التي تؤمن الرحلات البحرية الرابطة بين ميناء طنجة المتوسط وميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تلف المنتجات الفلاحية التي يصدرها المغرب نحو دول الإتحاد الأوروبي، بسبب طول مدة إنتظار شاحنات النقل داخل ميناء طنجة المتوسط.

هذا المشكل تسبب في حالة من الغليان وسط مهنيي النقل الدولي للبضائع، والذين يضطرون للوقوف في طوابير لمدة تزيد عن 15 ساعة، في انتظار دورهم في الإركاب، وهو ما يتسبب في كساد المنتجات الإستهلاكية الموجهة للتصدير، مما يدفع الشركات المغربية إلى خفض سعر هذه المنتجات بسبب تراجع جودتها، وبالتالي تعرضها لخسائر مادية كبيرة، ما يدفعهم لتحميل المسؤولية للسلطة المينائية التي لا تتوفر على رؤية واضحة وخطة بديلة لتدبير الأزمات.

ويسجل على مسؤولي ميناء طنجة المتوسط عدم مسايرتهم للوضعية المادية لعدد من الشركات المغربية ذات مديونية، على سبيل المثال لا الحصر، شركة “أنترشيپينغ” التي تم مصادرة أسطولها لتخبطها في عدد من المشاكل المالية والأحكام القضائية الصادرة ضدها، هذه الشركة التي تمتلك مجموعة من البواخر ذات طاقة استيعابية كبيرة تمكن من نقل اكبر عدد من الشاحنات تركت فراغا في الميناء، دون تعويضها بشركات ملاحية أخرى تستطيع سد هذا الخصاص.

تعقيد المساطر والإجراءات الإدارية والجمركية

أثرت تعقيدات المساطر والإجراءات الإدارية والجمركية التي تواجه مهنيي وأرباب قطاع النقل الدولي، بشكل سيئ على سمعة ميناء طنجة المتوسط، والتي دفعت في عديد من المناسبات بمهنيي النقل الدولي إلى تحويل الميناء إلى ساحة للإحتجاج، وذلك من خلال تشكيل طوابير تمتد على كيلوميترات وتضم المئات من الشاحنات متسببين في شل حركية محطات الإستيراد والتصدير داخل الميناء.

كما ندد مهنيي النقل بتمادي المسؤولين عن الميناء في تعقيد الإجراءات، مستنكرين في الوقت نفسه تدني مستوى الخدمات المقدمة داخله، والتي تؤثر سلبا على التزامات شركات النقل الدولي والتصدير والاستيراد مع عملائها داخل المغرب وخارجه.

انتشار مرشحي الهجرة السرية بمحيط الميناء وداخله

من بين الظواهر التي أثرت وماتزال تؤثر على سمعة الميناء المتوسطي، كذلك، انتشار العشرات من مرشحي الهجرة السرية بمحيط الميناء المتوسطي وداخله، والذين يصطفون بجنبات الميناء الممتدة على طول كيلومترات، على أمل التسلل إلى داخل الميناء من خلال التخفي في أية فتحة يمكن أن تسعهم تحت شاحنات النقل الدولي أو العربات السياحية العابرة إلى الجنوب الإسباني.

ويضطر هؤلاء المهاجرين المنحدرين من مجموعة من المدن المغربية، وبينهم كذلك الوافدين من دول مجاورة، للمبيت في العراء فوق قطع من الكارتون بجنبات الميناء أو يلجؤون إلى اقتحام مباني بالقوة بالمناطق المجاورة للميناء.

ويقوم هؤلاء المهاجرين بتعريض مهنيي قطاع النقل الدولي وكذا المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج، لعمليات سرقة بعد تسللهم لمواقف العربات داخل الميناء، وذلك دون أن يحرك مسؤولي الميناء أي ساكن.

٠ معبر آمن لشبكات التهريب الدولي للمخدرات

بفعل ارتجالية وعشوائية المشرفين على تدبيره، تحول ميناء طنحة المتوسط، لمحطة عبور آمنة تستغله شبكات الاتجار الدولي في المخدرات، لتهريب الأطنان من مخدر “الشيرا” نحو الموانئ الأوروبية، حيث تستغل هذه الشبكات الإجرامية ضعف وسائل مراقبة الوثائق وبطائق مرتفقي الميناء، وهو ما يجعلها عرضة للتزوير والتحريف بسهولة تامة، وذلك بتواطؤ مع مسؤولين في قطاعات مختلفة داخل الميناء، وكذا بسبب التقصير وعيوب الإجراءات المسطرية للسلطة المينائية “TMSA”.

ويضع غياب أجهزة متطورة لكشف صحة الوثائق من عدمها، مسؤولي الميناء في قفص المحاسبة، علما أن الميناء يتميز بمواصفات عالمية ويفتقد في نفس الوقت لتجهيزات متطورة ، وهو ما يدفع الكثيرين للتساؤل حول الدافع وراء عدم إقدام إدارة الميناء على اقتناء معدات تكنولوجية حديثة تكشف زيف الوثائق والبطائق.

كذلك، تستغل هذه الشبكات كثرة الأعطاب التي يتعرض لها جهازي السكانير بالميناء، لتمرير الأطنان من المخدرات، ما يطرح عدة أسئلة حول جودة هذا الجهاز، والطريقة التي تمت بها هذه الصفقة وعن اللجنة التقنية التي أشرّت على اقتنائه بملايين الدراهم، وهو ما يدعو إلى فتح تحقيق في سبب تعرضه للاعطاب المتكررة، وكذا التدقيق في صفقة اقتنائه، دون إغفال تورط عمال وحراس أمن خاص داخل الميناء في عمليات تهريب المخدرات نحو اسبانيا بطرق مختلفة، على سبيل المثال لا الحصر قضية 4 أطنان التي تم شحنها داخل الباخرة بعد ادخالها عبر شاحنة للنفايات، ضف الى ذلك عجز السلطات المينائية وضع حدٍّ لشبكة تمتد خيوطها إلى ميناء الجزيرة الخضراء، تقوم بإلصاق كيلوات من المخدرات بأجزاء معينة من الشاحنة قبيل ابحارها، وهو ما يتسبب في اعتقال السائقين وحجز الشاحنات وتوريط الشركات في مساطر قضائية.

هذا، ويضع تقصير وتهاون وعدم اجتهاد السلطات المينائية في وضع حدّ للتهريب الدولي للمخدرات في ميناء طنجة المتوسط، صورة المغرب على المحك ويتسبب في إحراج للأجهزة الأمنية والجمركية المشهود لها بالكفاءة على الصعيد الدولي، علما أن السلطات الإسبانية ضبطت في عدة مناسبات أطنان من المخدرات بميناء الجزيرة الخضراء، بعد مرورها بأمان من الميناء المتوسطي، ما يطرح العديد من التساؤلات حول مدى نجاعة منظومة المراقبة بالميناء ومدى صرامة سلطات الميناء في التصدي لظاهرة تشوه صورة وسمعة المغرب.

 

يتبع الجزء الثاني (الصفقات..)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق