كرامة المحامي.. شرط العدالة لا امتياز مهني

ذ. عصام الطالبي

في ظل النقاش المحتدم حول مشروع قانون مهنة المحاماة في المغرب، تتصاعد أصوات الهيئات المهنية والنقابات الممثلة للمحامين، في تعبير واضح عن رفضها للصيغة الحالية التي ترى فيها مساسا بجوهر الاستقلالية المهنية، وتجاهلا لملاحظات جوهرية صيغت عبر سنوات من الممارسة والتجربة داخل المحاكم المغربية.

لا يتعلق الأمر هنا، كما قد يُراد اختزاله، بصراع تقني بين وزارة العدل وهيئة مهنية، بل بجدل أعمق يمس بنية العدالة نفسها، وبموقع الدفاع داخل المنظومة القضائية. فالمحامي ليس مجرد فاعل مهني يدافع عن شروط اشتغال ضيقة، بل هو عنصر بنيوي في ضمان توازن المحاكمة العادلة، وحماية حقوق المتقاضين، وصون مبدأ سيادة القانون.

إن الإضرابات والاحتجاجات التي يخوضها المحامون لا يمكن قراءتها خارج سياقها الاجتماعي والقانوني، فهي تعكس قلقا مهنيا مشروعا من تحول قد يضعف الضمانات المرتبطة باستقلال الدفاع، ويعيد رسم العلاقة بين المواطن والدولة داخل فضاء القضاء، وفي هذا السياق، يصبح النقاش حول القانون الجديد نقاشا حول طبيعة العدالة ذاتها: هل هي عدالة إجرائية شكلية، أم عدالة جوهرية تقوم على توازن حقيقي بين أطراف الخصومة؟

إن اختزال هذا الجدل في كونه مواجهة بين طرفين، المحامي من جهة، والحكومة من جهة أخرى، هو تبسيط مخلّ، فالمسألة تتجاوز الأشخاص والمؤسسات إلى سؤال أعمق: كيف يمكن ضمان عدالة لا تختزل في النصوص، بل تُترجم في الممارسة اليومية داخل المحاكم؟ وكيف يمكن حماية حق المواطن في دفاع قوي ومستقل، لا يخضع لضغوط أو قيود تُفرغ دوره من مضمونه؟

المحامي، في جوهر رسالته، لا يدافع عن امتيازات مهنية بقدر ما يدافع عن حق المجتمع في عدالة متوازنة. فحين يُقيد دوره أو يُضعف استقلاله، فإن المتضرر الأول ليس المحامي، بل المواطن الذي يلجأ إلى القضاء بحثا عن إنصاف، من هنا، يصبح النقاش حول القانون نقاشا اجتماعيا عاما، يهم كل فئات المجتمع، لأن العدالة ليست شأنا نخبويا بل ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي.

كما أن مفهوم “الكرامة المهنية” لا ينفصل عن مفهوم “العدالة الاجتماعية”، فلا يمكن تصور قضاء سليم دون دفاع قوي، ولا دفاع قوي دون شروط قانونية ومؤسساتية تحمي استقلال المحامي وتضمن له القدرة على أداء رسالته دون خوف أو ضغط.

إن الإصلاح الحقيقي لمهنة المحاماة، كما لأي قطاع مرتبط بالعدالة، لا يمكن أن يتم بمنطق الإقصاء أو فرض التصورات الجاهزة، بل عبر مقاربة تشاركية تنصت إلى كل الفاعلين، وفي مقدمتهم الهيئات المهنية التي راكمت خبرة طويلة في الممارسة القضائية اليومية.

وفي النهاية، فإن المعركة الدائرة اليوم ليست بين محامين ووزارة، بل هي معركة حول شكل العدالة في المستقبل: عدالة تبنى على التوازن والثقة والتشارك، أم عدالة تدار بمنطق تقني ضيق قد يفقدها بعدها الإنساني والاجتماعي.

وإذا كانت العدالة هي أساس الدولة الحديثة، فإن صون كرامة من يدافع عنها ليس امتيازاً، بل شرطا ضروريا لقيامها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى